لم يعد المشهد في الجنوب، وبالأخص في حضرموت، قابلًا للقراءة عبر البيانات الرسمية أو الشعارات المرفوعة في الساحات. فما جرى اليوم في حضرموت لم يكن حدثًا عابرًا ولا تحرّكًا بريئًا، بل حلقة جديدة في صراع النفوذ بين السعودية والإمارات، صراعٌ بلغ مرحلة توظيف الشارع وتضليل الرأي العام بأكاذيب مكشوفة.
لقد رُفعت اليوم شعارات صاخبة، وسُوّقت روايات تزعم أن انسحاب الإمارات جاء نتيجة تهديد أو طلب مباشر من طرفٍ معيّن، في محاولة فجة لتصوير الأمر كـ«انتصار سياسي» أو «رضوخ قسري». غير أن الوقائع على الأرض تكذّب هذا الادعاء جملةً وتفصيلًا. فما يحدث ليس انسحابًا تحت الضغط، بل إعادة تموضع محسوبة، تُمليها تفاهمات وصراعات داخل التحالف نفسه، لا إرادة الشارع ولا قوة الشعارات.
السعودية والإمارات لم تعودا تخفيان تناقض الأجندات في الجنوب. الأولى تبحث عن إدارة أمنية تمنع الانفجار، والثانية تشتغل بعقل النفوذ طويل الأمد، مستخدمة أدوات محلية وخطابًا متغيّرًا بحسب اللحظة. وبين هذا وذاك، تُستعمل حضرموت كورقة ضغط، ويُستدعى الشارع ليكون غطاءً سياسيًا لتحركات مرسومة سلفًا.
الأخطر من الحدث ذاته هو الكذب المنهجي الذي رافقه؛ كذبٌ لا يستهدف الخصوم بقدر ما يستهدف وعي الناس، عبر خلط الأوراق، وتزييف الأسباب، وتقديم الوهم على أنه حقيقة. وهنا تتحول الشعارات من أداة تعبير إلى وسيلة تضليل، ومن صوت للناس إلى ستار للمصالح.
إن ما يجري اليوم يؤكد حقيقة واحدة: الجنوب، وحضرموت في قلبه، لا يزال رهينة صراع إقليمي، تُدار تفاصيله خارج حدوده، وتُقدَّم نتائجه للرأي العام مغلّفة بالأكاذيب. ولن يكون هناك استقرار حقيقي ما دامت الوقائع تُزوَّر، وما دامت إرادة الناس آخر ما يُحسب له حساب.
