تتكرر في الخطاب العربي عبارة مفادها أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة وهي جملة ليست مجرد شعار عاطفي بقدر ما هي خلاصة عقود من التجربة السياسية والعسكرية في المنطقة.
فكلما حاولت الأطراف العربية اختبار مسارات التهدئة أو تقديم مقاربات دبلوماسية لاحتواء الصراع، كانت النتيجة تثبت أن ميزان القوة وحده هو الذي يفرض الإيقاع على الطرف الإسرائيلي وأن الحسابات الاستراتيجية في تل أبيب لا تتغير إلا تحت ضغط حقيقي يهدد مكاسبها أو يربك منظومتها الأمنية. هذا الإدراك تبلور عبر سنوات طويلة بدءا من الحروب التقليدية في القرن الماضي وصولا إلى المواجهات الحديثة التي تتداخل فيها السياسة بالميدان والإعلام بالضغط الدولي.
يتجلى مفهوم القوة هنا بمعناه الواسع، فلا يقتصر على الأبعاد العسكرية البحتة، بل يشمل القدرة على فرض معادلات جديدة سواء كانت سياسية أو قانونية أو اقتصادية أو أخلاقية.
فإسرائيل، التي شكلت لنفسها رواية قائمة على التفوق الأمني والدعم الدولي، لا تقدم على مراجعة سياساتها إلا عندما تواجه لحظة كشف حقيقية تظهر حدود هذا التفوق. وفي كل مرة تظهر فيها هذه الحدود تتسع مساحة النقاش العالمي حول عدالة القضية الفلسطينية وتتعاظم الانتقادات الدولية للممارسات الإسرائيلية ويتراجع التأييد غير المشروط الذي اعتادت تل أبيب اعتباره ضمانة دائمة.
ومع ذلك فإن لغة القوة في سياق الصراع لا تعني الانزلاق إلى منطق العنف وحده بل توظيف عناصر التأثير كافة في معادلة واحدة متماسكة. فالقوة هنا هي أيضاً قوة الرواية التي تكشف حجم الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني وقوة الصمود الشعبي الذي يواجه سياسات القمع وقوة المواقف القانونية التي تستند إلى الشرعية الدولية وقوة التحالفات التي يمكن أن تغير شكل التوازنات الإقليمية.
هذه العناصر مجتمعة تظهر لإسرائيل أن العالم لم يعد كما كان وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية لم يعد خيارا قابلا للاستمرار.
كما أن متغيرات السنوات الأخيرة، أثبتت أن الساحة الإسرائيلية نفسها، لم تعد كتلة صلبة، فالتصدعات الداخلية تتسع والصراعات السياسية تتعمق والنقاشات الأخلاقية حول كلفة الاحتلال تزداد حضورا داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. كل ذلك يشكل شكلا آخر من أشكال الضغط الذي يعيد صياغة مفهوم القوة ويضعه في إطار أكثر تعقيدا مما اعتادت عليه المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
وحين تجد تل أبيب نفسها أمام واقع قوامه التحديات الخارجية والداخلية معا، يصبح تغيير السلوك أمرا مرجحا لا نتيجة قناعة، بل استجابة لحقائق لا يمكن تجاهلها.
إن جوهر الرسالة التي يكررها الواقع هو أن الصراع لا يمكن أن يحسم بسياسة الأمر الواقع وأن تجاهل الحقوق المشروعة لشعب بأكمله ليس قدرا محتوما. فالقوة التي تفهمها إسرائيل ليست مجرد ضغط عسكري، بل منظومة أوسع قادرة على إعادة التوازن وفرض احترام القواعد الأساسية للعدالة. ومع كل تطور جديد يتضح أن الطريق نحو حل عادل لا يمر عبر الاستسلام للأمر الواقع، بل عبر امتلاك عناصر القوة التي تفرض على الطرف الآخر أن يصغي وأن يفكر وأن يدرك أن استمرار الصراع على النحو القائم لم يعد ممكنا مهما طال الزمن.
