اليمن نموذج المقاومة المتكاملة

ناصر قنديل

 

يتقدّم اليمن المشهد العربي الجديد، بالرغم من التجربة العظيمة التي قدّمتها مقاومة حزب الله في كشف نقاط ضعف كيان الاحتلال، والنجاح في الاستثمار عليها لصناعة أكبر انتصارين عربيين على الاحتلال خلال 76 سنة، كتب خلال نصفها حزب الله تاريخاً معاكساً لصعود الكيان، حيث نجح بين عامي 1982 و2000م بكتابة سيرة معارك بطوليّة انتهت بتحرير أول أرض عربيّة محتلة دون تفاوض ودون قيد أو شرط أو اتفاق، ثم نجح بين عامي 2006 و2023م بإقامة أول معادلة ردع بوجه الطاقة الناريّة الهائلة لجيش الاحتلال، مستفيداً من الوجود على تماس مباشر مع شمال فلسطين المحتلة ووضعه مدن الكيان تحت تهديد نيران صواريخه، موفراً أعلى درجة أمن عربيّة في مواجهة تحدي تفوق جيش الاحتلال.

يتقدّم اليمن المشهد العربي الجديد، رغم البطولة الملحميّة التي تكتبها غزة ولا تزال خلال اثنين وعشرين شهراً من الصمود والقتال، رغم حرب الإبادة والتجويع التي يندى لها جبين البشرية جمعاء، والتي تشكل وصمة عار في تاريخ العرب أنظمة وشعوباً وأحزاباً ونخباً، حيث كتبت غزة أسطورة طوفان الأقصى الذي أسقط جيش الاحتلال وصورته إلى الأبد كجيش مقاتل، وأسقط ثقة المستوطنين به وثقتهم ببقاء كيانهم، وحيث كتبت دماء غزة وأطفالها ملحمة توزّعت بصماتها في أنحاء العالم واعادت كتابة التاريخ، فلم يبقَ مكان لمزاعم مظلوميّة تستظلّ بها “إسرائيل” لارتكاب الجرائم، وانقلبت الصورة، وصار الكيان قادة وجيشاً ملاحقاً كمجرم في أنحاء العالم، وخسر الكيان إلى الأبد تفوّق السردية والرواية وانتصرت السردية الفلسطينية إلى غير رجعة وصارت تتردّد على ألسنة الكبار والصغار في أرجاء العالم، وأخرجت ملايين المتظاهرين في العالم، وأحرجت الحكومات المساندة للكيان وبدأت تعيد صياغة المشهد السياسيّ في الغرب.

يتقدّم اليمن المشهد العربي والإسلامي الجديد، رغم المواجهة المقتدرة التي خاضتها الجمهورية الإسلامية في إيران بوجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي، والنجاح المبهر الذي قدّمته بتجاوز كل الضربات التي لحقت بها، واستطاعت إعادة امتلاك زمام المبادرة في الحرب، ووضعت الأمن الإسرائيلي تحت ضغط تحديات وجودية لم يستطع تحملها، وختمت الحرب بضربة رادعة للأمريكي وضعته أمام خيارات صعبة بما ترتبت من تبعات وعواقب الدخول في مواجهة مفتوحة يكون الخليج والنفط وموارده وطرق تدفقه ساحتها، وفرضت إنهاء الحرب عليها دون تحقيق أي من أهدافها، فسقط شعار دونالد ترامب بطلب الاستسلام غير المشروط ومعه شعار بنيامين نتنياهو بفتح الطريق أمام فرصة لإسقاط النظام.

يتقدّم اليمن المشهد الجديد، لأنه استطاع وحده أن يوحّد شعبه وجيشه تحت شعار التدخّل الهجوميّ لصالح نصرة غزة، بينما تمكّن حزب الله من صناعة بيئة حاضنة استشهاديّة تسير معه في حرب تحرير فلسطين متى سار، لكن المشروع المعادي للمقاومة بخلفيّته العربية والغربية، استطاع إنتاج بيئات جاهزة لتلقف لحظة مواجهة صعبة لفرض الانكفاء من جبهة إسناد غزة على المقاومة، والاكتفاء بخوض حرب الدفاع عن لبنان، وصولاً إلى وقف ملتبس لإطلاق النار، بينما إيران التي تماسكت وتوحّدت في حال الدفاع بوجه العدوان، ليست كذلك إذا أرادت إيران مواصلة الحرب أو خوضها تحت شعار نصرة غزة وفلسطين، ويتقدّم اليمن المشهد، لأنه بقي بمنأى عن التتبع الأمريكي الإسرائيلي لسنوات، حتى جاءت لحظة الاشتباك الكبير، فتقدّم الصفوف ولم يكن لدى الأعداء بنك أهداف يشتغلون عليه، بينما كان لديهم ما يكفي من الاستهداف القاتل في لبنان وإيران.

يتقدّم اليمن المشهد، لأنه أتقن معرفة الجغرافيا وتوظيفها، وهو الممسك بمضيق باب المندب، والبعيد عن قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على المناورة عن مسافة ألفي كيلومتر، بينما فلسطين قريبة من مرمى صواريخه الفرط صوتيّة وطائراته المسيّرة، والقريب من حاملات الطائرات الأميركية إلى حد تهديدها بالغرق بحكم قربها من جغرافيته للتمكن من تحقيق أهدافها، واليمن لم يضع كل أوراقه في الملعب بعد، وهو القادر على إشعال حرب أسعار في سوق النفط العالمي، والقادر على إقفال أهم شرايين التجارة العالميّة بصورة كليّة، والقادر على إصابة الكيان بالشلل من منصات النفط إلى محطات الكهرباء، وهو يدرك أن الشهور القادمة هي شهور الحسم التي تحتاج ادخار المفاجآت، وهو يمسك بخيوط صناعة الشارع المنتفض ضد الحرب في الكيان بجعل فاتورة الحرب على غزة تصل إلى كل بيت وكل مستوطن.

نجح اليمن، لأنه خلاصة تجارب كل قوى ودول محور المقاومة، من حزب الله إلى مقاومة غزة إلى إيران، يفخر بهم ويفخرون به، يتعلم منهم ويتعلمون منه، كاشفاً المغزى الكبير لكلام الشهيد السيد نصرالله عن أعظم المواقف في تاريخه هو موقفه مع اليمن، مؤكداً أن الملايين التي تنزل إلى الميادين كل جمعة تأييداً لنصرة غزة هي أحد أسرار اليمن، وأن التطوّر التقنيّ وإصابة الأعداء بالعمى الاستخباري أسرار يمنية أخرى، وأن الطاعة والولاء للقيادة وشجاعة القيادة وحكمتها هي أسرار أخرى، وأن اليمن الذي شكل مفاجأة حروب طوفان الأقصى هو ليس مفاجأة حدثت، بل مفاجأة لا تزال تحدث، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما هو آتٍ منها ومعها، وربما يكون القرار الأشدّ حكمة الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو النفاذ بجلده والانسحاب من حربه مع اليمن.

 

* رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا