سقوط نظام آل سعود وحتمية مئوية الزوال

محمد عبدالله الخربي

 

المقدمة: النبوة وميكانيكا التفكيك الاستراتيجي

لا ينطق الرسول الأكرم ﷺ عن الهوى حين حدد في الحديث الصحيح جهة المشرق ونجد قائلاً: «هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان». هذا النص الاستشرافي المعجز لا يقف عند حدود الإخبار الغيبي، بل يمنح الباحثين مرجعية تاريخية لتفكيك طبيعة الكيانات التي ولدت من رحم الاضطراب العقائدي والسياسي وتحمل في جيناتها بذور فنائها البنيوي.

إن إسقاط هذه النبوة على واقع المملكة العربية السعودية اليوم يكشف عن هندسة زمنية وجيوسياسية دقيقة؛ فالدولة التي أُعلن عن توحيدها بمرسوم ملكي في 23 سبتمبر 1932م، تسير بخطى متسارعة نحو نقطة التحلل النهائي المتمثلة في مئويتها الوطنية بـ سبتمبر 2032م. إن التناقضات الوجودية التي يعيشها الهيكل السعودي حالياً تمثل الترجمة المادية لزوال الفتنة ونهاية “القرن النجدي”، حيث يتطابق النص النبوي مع التحليلات الاستراتيجية الصادرة عن كبرى المعاهد الغربية التي بدأت علناً في مناقشة سيناريوهات الانكشاف والانهيار.

الجزء الأول: ميكانيكا التحلل الذاتي (التصدعات من الداخل)

1. احتكار السلطة العمودي وموت الإجماع النخبوي

تشير أدبيات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في دراساتها حول استقرار النظم الاستبدادية، إلى أن النظام السعودي تحول من “دولة المؤسسة العائلية الشوروية” إلى “منظومة مركزية عمودية مطلقة”. تاريخياً، قام استقرار العرش على توزيع السلطة بين أجنحة الأسرة الحاكمة والولاءات القبلية والمؤسسات السيادية (الجيش، الحرس الوطني، الداخلية).

إلا أن احتكار السلطة الحاد في عقدة واحدة ألغى صمامات الأمان التقليدية؛ حيث يؤكد محللو المعاهد الغربية أن تجريد النخبة والأمراء الكبار من نفوذهم (كما حدث في واقعة “الريتز كارلتون”) حوّل الدولة إلى مسار “نقطة الفشل الفردية الوحيدة” . هذا يعني بنيوياً أن المنظومة ستواجه لحظة الانهيار دون أي قاعدة عائلية أو عصبية قادرة على حماية العرش عند ذروة الأزمة.

2. هزيمة “نيوم” وحسابات الإفلاس المالي

تُسوق خطة التحول الاقتصادي المتمثلة في رؤية 2030م كطوق نجاة يفطم الدولة من “إدمان النفط”. غير أن تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تفكك معضلة ما تصفه بـ “الريع الجديد”؛ حيث يتطلب بناء مشاريع الفانتازيا الرقمية مستويات قياسية من عوائد النفط التقليدية لمجرد التمويل.

ومع اضطرار الرياض مؤخراً نتيجة العجز المالي المتنامي إلى تقليص مستهدفات مشروع نيوم وهيكل مدينة “ذا لاين” بشكل حاد (حيث تراجعت المستهدفات السكنية من 1.5 مليون ساكن إلى أقل من 300 ألف بحلول 2030م، وتم تقليص الطول المنجز إلى 2.4 كم فقط)، تكبدت الدولة خسائر فادحة عبر تخصيص نحو 16 مليار دولار لدفع الشروط الجزائية للمقاولين والشركات العالمية نتيجة إلغاء وتعديل العقود طويلة الأجل. إن الغرق في العجز البنيوي وارتفاع الدين العام إلى أكثر من 270 مليار دولار (حسب بيانات وزارة المالية ومؤسسات التقييم الائتماني مثل فيتش وموديز) يعجلان بالارتطام بجدار الإفلاس الاقتصادي قبل بلوغ العقد القادم.

3. صدمة العلمنة القسرية وقنبلة الفراغ الأيديولوجي

يؤكد الباحثون في معهد بيكر للسياسات العامة أن تفكيك التحالف التاريخي الديني التقليدي الذي قامت عليه الدولة منذ نشأتها (حلف الدرعية 1744م)، واستبداله الفجائي بهيئات الترفيه والانفتاح الاجتماعي المفروض من الأعلى، أحدث حالة من “الانفصام الثقافي الصامت” في أعماق المجتمع المحافظ.

إن قطع جذور الشرعية الأيديولوجية التاريخية دون إيجاد عقد دستوري ومؤسسي بديل ينقل الدولة من شرعية العقيدة إلى شرعية المنفعة المادية؛ وبحسب دراسات السلوك المجتمعي للخليج، فإن غياب قنوات التعبير مع تجفيف المنابع الدينية يخلق احتقاناً مجتمعياً صامتاً؛ وبمجرد تراجع القدرة المالية للدولة عن دعم الوظائف والميزات المعيشية، سيندمج هذا السخط العقائدى الكامن مع المظالم الاقتصادية ليشكل صاعق التفجير الداخلي.

4. قبضة القمع وهشاشة “مؤشر الدول المستقرة”

وفقاً لتقارير معهد صندوق السلام (FFP) المعني بمؤشر الدول الهشة ، فإن تزايد وتيرة القمع والاعتقالات التعسفية ضد الأكاديميين والمفكرين يرفع من منسوب الاحتقان البنيوي في مؤشر التماسك الداخلي. إن سياسة الأرض المحروقة ضد الأصوات المنتقدة وسحق صمامات الأمان المدنية ولّدا معارضة شرسة ومنظمة في الخارج تعمل على عزل النظام حقوقياً ودولياً. إن إجبار المجتمع على الصمت في الداخل لا يعني الولاء، بل يمثل مخزوناً انفجارياً ينتظر أي ثغرة أمنية أو تصدع في هرم السلطة ليطفو إلى السطح.

5. سحق دولة الرفاه ومعادلة الجباية

يفكك خبراء الاقتصاد في معهد كولومبيا التغير الحاد في العقد الاجتماعي السعودي القديم؛ حيث حوّلت السلطة صيغة (المال مقابل الولاء) إلى صيغة (الجباية مقابل الصمت) عبر فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 15%، ورفع أسعار الوقود والطاقة والخدمات الأساسية بالتوازي مع هدر مئات المليارات على استثمارات الترفيه والرياضة العالمية. هذا التآكل الحاد في القدرة الشرائية للمواطن وتنامي معدلات البطالة المقنعة خلقا فجوة طبية مرعبة بين نخبة حاكمة تعيش في بذخ أسطوري ومجتمع مطحون بمتطلبات الحياة اليومية، مما يلغي الحاضنة الشعبية للنظام عند وقوع أي أزمة حقيقية.

الجزء الثاني: الانكشاف الجيوسياسي (تآكل الأعمدة الخارجية)

6. جنازة “كوينسي” وموت المظلة الأمريكية

منذ لقاء كوينسي التاريخي في فبراير 1945م، استند بقاء النظام إلى معادلة جيوسياسية صارمة: “النفط مقابل الحماية العسكرية الأمريكية”. والآن، تؤكد تحليلات معهد مجلس العلاقات الخارجية (CFR) أن الصفائح التكتيكية للاقتصاد العالمي قد تحركت بشكل لا يمكن ترميمه؛ حيث تحولت واشنطن عبر طفرة النفط الصخري إلى منتج ومصدر رئيسي ينافس على الصدارة العالمية بأكثر من 13 مليون برميل يومياً، واستدارت أولويات التخطيط الاستراتيجي في البنتاغون نحو المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة التمدد الصيني.

لقد سقطت الأهمية الاستراتيجية المطلقة لحماية العروش الخليجية، وهو ما تبدى علناً في امتناع واشنطن عن الرد العسكري المباشر عندما تعرضت منشآت شركة أرامكو العملاقة في “بقيق وخريص” لهجمات استراتيجية شلت 5.7 مليون برميل يومياً (نصف إنتاج المملكة) دون أي رد فعل أمريكي حمائي، لتُعلن تلك الحادثة رسمياً وفاة مظلة الحماية التقليدية وترك العرش عارياً استراتيجياً.

7. المستنقع اليمني وانكسار آلة الردع التقليدية

جاءت الساحة اليمنية لتضع حداً لغرور القوة العسكرية المستوردة؛ فالحرب التي شُنت بافتراض الحسم التكنولوجي السريع خلال أسابيع، تحولت إلى مستنقع استراتيجي واقتصادي كبّد الخزينة السعودية ما يقدر بـ 5 إلى 6 مليارات دولار شهرياً في ذروة الصراع حسب تقديرات معهد بروكينغز.

وفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، فإن السعودية تصدرت لسنوات قوائم أكبر مستوردي السلاح في العالم، لكن هذا الإنفاق الأسطوري على منظومات “باتريوت” ومقاتلات “إف-15” فشل تماماً في تحقيق التفوق الميداني أو تأمين الحدود، حيث تمكنت التكنولوجيا العسكرية منخفضة التكلفة (كالصواريخ الموجهة والمسيرات) التي طورتها الإرادة في صنعاء من اختراق الدفاعات المليونية وضرب عمق المنشآت الحيوية والمطارات الاستراتيجية ، مما كسر هيبة الردع السعودي وصاغ معادلة ردع جديدة أثبتت أن المال لا يشتري النصر العسكري.

8. نهش الإخوة وصراع البقاء الصفري في الخليج

تلاشت أوهام التضامن تحت سقف مجلس التعاون الخليجي، وحل محلها صراع نفعي شرس تقوده “القومية الاقتصادية المتطرفة”. التنافس المحموم بين الرياض وأبوظبي على الصدارة المالية واللوجستية، وتطبيق الرياض لقرارات قسرية تحظر التعاقد مع الشركات متعددة الجنسيات ما لم تنقل مقراتها الإقليمية قسراً من دبي إلى الرياض، يعكس تحول العلاقات الإقليمية إلى معركة كسر عظم صفرية الكسب؛ فالأنظمة الريعية باتت تأكل أسواق بعضها بعضاً لتأمين السيولة وتعويض عجزها، مما يضمن تفتت أي جبهة حليفة للنظام عند السقوط.

9. شَرَك التعددية القطبية وسراب “بريكس”

مثلت محاولة الرياض للارتماء في أحضان بكين وموسكو والانضمام لمجموعة “بريكس” مناورة مربكة للتحوط ضد الانسحاب الأمريكي. لكن هذا التوازن يمثل شَرَكاً استراتيجياً قاتلاً؛ فالصين المستعدة لشراء النفط الرخيص ليس لديها أي عقيدة عسكرية أو رغبة إستراتيجية تبيح لها التدخل الميداني لحماية حدود المملكة أو الدفاع عن نظامها في حال تعرضه لهزة داخلية. إن الارتهان الاقتصادي للشرق مع البقاء تحت رحمة تكنولوجيا السلاح وقطع الغيار بنسبة 85% من الغرب يضع الدولة مباشرة في مرمى النيران المتبادلة لحرب باردة عالمية، وهو حبل مشدود يستحيل السير عليه طويلاً.

الجزء الثالث: سيناريوهات الزوال وحتمية الارتطام

بناءً على تداخل المعطيات السابقة ووفقاً للنماذج التحليلية للمستقبل المعتمَدة لدى معاهد الدراسات الأمنية الدولية، ينحصر مشهد النهاية ضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة تعجل بالانهيار قبل الميقات المحدد في 2032م:

• السيناريو الأول: الانفجار الداخلي المركب (ثورة الجياع والمستبعدين)

يتأسس هذا المسار على تعمق الأزمة المالية الناتجة عن نضوب عوائد الريع النفطي وفشل مشاريع الرؤية. ومع عجز الدولة الكامل عن توظيف الشباب أو الاستمرار في تقديم الدعم التمويني والخدمي، تلتقي جبهة السخط الاقتصادي مع المخزون العقائدي المكبوت المتضرر من سياسات العلمنة القسرية، لتندلع احتجاجات شعبية واسعة تتسع رقعتها تدريجياً نتيجة عجز القبضة الأمنية المفككة عائلياً عن قمعها، مما يفضي إلى شلل تام في مفاصل الدولة وانهيار الحكم من الداخل تحت وطأة الفوضى.

• السيناريو الثاني: الانقلاب الأبيض وتفتت أجنحة الحكم

في هذا السيناريو، يتحرك الشق المهمش والمقصى من الأسرة الحاكمة، والمستند إلى تذمر صامت داخل الأجهزة العسكرية (الجيش والحرس الوطني)، مستغلاً تدهور الحالة الصحية للحاكم أو إخفاقاً استراتيجياً فادحاً في السياسة الخارجية. يتم عزل رأس السلطة في انقلاب قصر مدعوم بوعود بإعادة توزيع الثروة وعودة النظام التشاوري. لكن نظراً لتفتت القاعدة الاجتماعية والشرعية الأيديولوجية للدولة، فإن هذا الانقلاب لن يقود إلى استقرار، بل سيفتح الباب لتصفية حسابات دموية وحرب أجنحة تنهي وحدة الكيان السياسي.

• السيناريو الثالث: الارتطام بالردع الخارجي والعزلة الشاملة

يقوم هذا السيناريو على مغامرة عسكرية غير محسوبة يقدم عليها النظام مدفوعاً بقرارات فردية متهورة لتغطية فشله الداخلي، مما يضعه في مواجهة مباشرة مع قوى المقاومة الإقليمية الحية؛ حيث تُستهدف خطوط إمدادات الطاقة، وموانئ التصدير، ومحطات تحلية المياه الحيوية بشكل شامل يشل حركة الاقتصاد العالمي بالكامل. ومع امتناع الحليف الأمريكي المنكفئ عن التدخل، وعجز الصين عن تقديم غطاء عسكري، يقع النظام في فخ العزلة الاقتصادية والسياسية الخانقة، مما يؤدي إلى تفكك أجهزة الدولة التنفيذية وذوبان الحصن سريعاً.

ملاحظة تحليلية:

تشير غالبية قراءات المحللين والمتابعين، في ضوء المعطيات والتطورات المتسارعة، إلى أن المسار الأرجح يتمثل في تورّط النظام أكثر في المستنقع اليمني، بما يفضي إلى استنزافه وتآكل قدرته على المناورة، وصولاً إلى مأزق يصعب الخروج منه.

الخاتمة والخلاصة: حتمية الميقات

إن السقوط التاريخي لنظام آل سعود لا يعتمد على الصدفة، بل يتحرك وفق هندسة متكاملة تلتقي فيها النبوة الشريفة الصادقة مع قوانين السياسة والفيزياء المالية المعترف بها في كبرى مراكز التخطيط الاستراتيجي العالمي. إن التآكل الممنهج لإجماع النخبة، وتبديد الثروات السيادية في سراب المشاريع المتقلصة، واجتثاث الحلفاء التقليديين في الداخل والخارج، قد وضع الهيكل بأكمله في مهب الريح.

ومع اقتراب الميقات التاريخي في سبتمبر 2032م—الذي يصادف مئوية التأسيس القائم على كتل الملح الصخري واستهلاك مقدرات الأمة—ستلتقي دورة الزلازل والفتن لـ «قرن الشيطان» مع حتمية نضوب الريع النفطي وتراجع الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري وفق خطط التحول الطاقي الدولية. حينها تسقط الأقنعة الزجاجية، ولن تملك شركات العلاقات العامة ولا المرتزقة الأجانب القدرة على ترميم كيان اجتث بيده كل ركائز استمراره؛ فالحصون المبنية من الملح تذوب حتماً عندما تهطل أمطار التاريخ وحقائق الجغرافيا.

قد يعجبك ايضا