الانزلاق في حرب طويلة وواسعة ليس بعيداً:حرب أثيوبيا .. توتر محدود أم انفجار شامل؟

 

تمضي الأزمة في اثيوبيا في منعطف حرج مع تجدد الحرب في إقليم تيغراي الشمالي وتوسع أعمال التمرد على الحكومة في أقاليم أخرى للمرة الأول منذ توقيع الحكومة الفيدرالية برئاسة أبي أحمد وجبهة تحرير شعب تيغراي اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 في تداعيات تنذر بانفجار شامل خصوصا بعد انخراط 7 فصائل مسلحة من اقاليم تيغراي وأمهرة وعفار وأوروميا ومناطق أخرى، في جبهة واحدة مناهضة للحكومة الفيدرالية في ظل توتر إقليمي للدولة الحبيسة المتعددة الاثنيات مع إريتريا ومصر والسودان.

تحليل / أبو بكر عبدالله

على ان اتفاق بريتوريا الموقع بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي عام 2022 أوقف حربا عنيفة بين الجانبين استمرت عامين الا انه لم يفلح في حلحلة جذور الصراع مع بقاء مشكلات عميقة تتفاعل تحت الرماد كمصير المناطق المتنازع عليها بين اقليمي تيغراي وأمهرة وقضية نزع السلاح وإعادة دمج قوات جبهة تحرير شعب تيغراي ضمن الجيش الفيدرالي الاثيوبي وعودة مئات آلاف النازحين من جراء تلك الحرب.

هذه المرة اضيف إلى مفاعيل الأزمة القديمة الخلافات السياسية والأمنية بين الحكومة الفيدرالية و6 كيانات سياسية وفصائل مسلحة محلية من امهرة وأوروميا وعفار ومناطق أخرى وكلها فصائل مسلحة كانت سابقا متنافسة وتقاتل بعضها وتوحدت في 20 سبتمبر الماضي بإعلانها تشكيل» تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء» والذي أعلن هدفا موحدا بإسقاط حكومة آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية.

ورغم تمكن الجيش الاثيوبي الفيدرالي من احتواء الأزمة المتجددة في إقليم تيغراي مع الوصول السريع للجيش الاثيوبي إلى مناطق التمرد في الإقليم المضطرب وانتشاره في العاصمة ميكيلي، بعد انسحاب مقاتلي جبهة تحرير تيغراي إلى مناطق الجبال البعيدة دون قتال، إلا أن التقديرات تشير إلى أن ما جرى لم يكن سوى تأجيل للحرب وليس إخمادها.

تزامن ذلك مع ظهور حركة تمرد ثانية لا تقل خطورة عن جبهة تحرير شعب تيغراي في إقليم امهرة المجاور بتبني جبهة «فانو» المسلحة الامهرية مطالب بإسقاط حكومة آبي احمد، بالتوازي مع ظهور حركات مسلحة أخرى أعلنت تبني الهدف ذاته من مناطق أخرى، والشروع بتحركات عسكرية تستهدف زيادة الضغط عليها وعزلها وتقييد قدرتها على المناورة عسكريا وسياسيا فضلا عن مطالبها بتشكيل حكومة انتقالية ضمن ترتيبات سياسية وعرقية جديدة ما عزز المخاوف من انزلاق اثيوبيا في اتون حرب طويلة.

أزمة معقدة

على ان دخول الجيش الأثيوبي الفيدرالي عاصمة إقليم تيغراي أواخر الشهر الماضي كان حدثا مهما إلا أن أكثر التقديرات اعتبرت ذلك مجرد تحول في التكتيك العسكري وليس حسما أو احتواء للازمة المتجددة، كما حدث في أواخر عام 2020 حيث دخل الجيش الفيدرالي ميكيلي بعد انسحاب مسلحي جبهة تيغراي إلى الجبال، في تكتيك عسكري بدا متناسبا مع الجغرافيا والبيئة الاجتماعية في إقليم تيغراي ذي التضاريس الجبلية الوعرة والذي مكنها تاليا من استعادت السيطرة على العاصمة ميكيلي ومعظم أراضي الإقليم في منتصف 2021 وزحفها نحو العاصمة أديس أبابا.

معطيات الأزمة الراهنة تشير إلى أن الحكومة الفيدرالية ستواجه أزمة أكثر تعقيدا من تلك التي تعاملت معها عام 2020، حيث أن معادلة الأزمة كانت واضحة في صراع الحكومة الفيدرالية وحلفاءها من إقليم امهرة ودولة إريتريا، ضد جبهة تحرير شعب تيغراي وحدها في حين أن الازمة المتجددة تتسم بتعقيدات هيكلية وجيوسياسية جعلت الصراع أكثر صعوبة على الاحتواء.

من ذلك أن المليشيات الأمهرية التي كانت السند الأساسي للجيش الفيدرالي في 2020 ضد مقاتلي جبهة تحرير تيغراي، أصبحت اليوم تخوض حرباً شرسة ضد الحكومة الفيدرالية نفسها بسبب نزع سلاحها والخلاف على المناطق المتنازع عليها وباتت تنسق عملياتها مع مسلحي جبهة تيغراي كما حصل في الهجمات الميدانية الأخيرة.

زاد من ذلك توسع الصراع إلى إقليم أوروميا مسقط رأس رئيس الحكومة آبي احمد والذي شهد تشكل» جيش تحرير أورومو» الذي انخرط مؤخرا في صراع مسلح مع قوات الجيش الفيدرالي، فضلا عن تصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وفصائل أخرى في عفار وقمز وسيداما وإقليم اوغادين الصومالي الاثيوبي وغيرها، بما جعل العاصمة أديس أبابا تواجه جبهات قتال مشتتة في مختلف الأقاليم الرئيسية.

وازداد المشهد تعقيداً مع اتهام اديس ابابا كل من اريتريا ومصر والسودان بدعم ما تسميه «التحالف المسلح للتمرد» وهي الاتهامات التي نفتها مصر كما نفتها السودان واريتريا.

تحالف السبعة

ولادة التحالف المسلح الذي شكلته مؤخرا سبع جماعات محلية مختلفة عرقيا من تنتشر على طول وعرض الجغرافيا الاثيوبية ضد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، لم تكن حدثا جديدا، فخلال الأعوام الماضية، كانت الأزمات تتفاعل تحت الرماد، في تيغراي وأمهرة، وأوروميا وعفار وقمز وسيداما وإقليم اوغادين الصومالي الاثيوبي بعد أن كانت مسرحا لتوترات عسكرية كبيرة مع الحكومة الفيدرالية.

من ذلك حركة «فانو» الامهرية التي خاضت مواجهات مسلحة مع الجيش الأثيوبي عام 2023 وكذلك «جيش تحرير أورومو» و»جبهة تحرير اوغادين» و»جبهة الوحدة الديموقراطية الثورية لعفر» و»حركة تحرير شعوب بني شنقول وحركة غوموز الديمقراطية الشعبية وجبهة تحرير سيداما الوطنية، ناهيك عن جبهة تحرير شعب تيغراي التي توصف بأنها القوة العسكرية المنظمة الأهم في التحالف الجديدة المناهض للحكومة الفيدرالية.

ومشهد التحالفات الجديدة عززت إلى حد كبير التوقعات بتفاقم الأزمة الاثيوبية إلى مستوى الانفجار الشامل، في ظل وجود ثلاث قوى على الأرض تمتلك مقومات عسكرية قوية تبدأ من إقليم تيغراي وأمهرة شمالا وإقليم أوروميا القريب من العاصمة ووجود وفصائل عرقية مسلحة في مناطق أخرى تؤيد القوى الثلاث بمطالبها السياسية في عفار واوغادين وغوموز وسيداما وغيرها.

ويصعب التقليل من شأن هذه الفصائل وإمكانياتها القتالية والتسليحية وهي رغم اعتمادها بصورة كبيرة على الأسلحة الخفيفة إلا أنها عززت من ترسانتها العسكري بالأسلحة المتوسطة التي استولت عليها من القوات الحكومية بما في ذلك المدفعية والمركبات العسكرية فضلا عن سلاح الطائرات المسيرة التي ظهرت في المواجهات الأخيرة.

ومن الناحية السياسية والعسكرية فإن مجرد وجود تحالف لفصائل مسلحة تنتشر في مناطق مترامية في الجغرافيا الاثيوبية وفي ظل التعدد العرقي والاثني، فإن ذلك يشكل تهديدا كبيرا للحكومة كما سيرفع تكلفة المواجهة العسكرية على الحكومة في حال قررت مواجهة التحالف في وقت واحد.

تباين ميزان القوة

أكثر ما يطمئن الحكومة الفيدرالية الاثيوبية هو أن سائر الفصائل المعارضة لم تفلح حتى اليوم في تشكيل جيش واحد رغم إعلانها « تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء» كما أنها لا تزال تتباين في الأهداف السياسية التي تتبناها؛ فجبهة تحرير شعب تيغراي، تطالب بتنفيذ اتفاق بريتوريا، وحل قضية الأراضي المتنازع عليها وعودة النازحين، وضمان الحكم الذاتي الإقليمي، وإعادة ترتيب العلاقة مع الحكومة الفيدرالية، في حين تطالب حركة «فانو» الامهرية بحقوق الإقليم وسكانه وتتبني في المقابل مواقف مناهضة لجبهة تحرير تيغراي في قضايا مصيرية.

الحال كذلك مع جيش تحرير أورومو الناشط في المناطق القريبة من العاصمة أديس ابابا والذي يركز مطالبه على قضية تقرير المصير والحقوق السياسية والأمنية للأورومو، مع مطالب تتعلق بإعادة توزيع السلطة داخل الدولة الفيدرالية، ناهيك عن نزاعاته الجغرافية مع حركة «فانو» في امهرة.

وفقا لذلك ترى بعض مراكز القرار في أديس ابابا أن التحالف المعلن ليس أكثر من فصائل مسلحة مشتتة أكثر منتسبيها يوصفون أنهم مقاومة محلية أو مقاتلين نشطين أو أنصار سياسيين وقوات إقليمية سابقة ويشكلون في مجموعهم وحدات متناثرة من المقاتلين المحليين وشبكات مساندين يفتقدون إلى السلاح الثقيل والدفاعات الجوية واللوجستيات اللازمة للحروب التقليدية الطويلة، في ظل غياب التوافق السياسي الكامل بينها واختلاف أهدافها وخياراتها.

وهذه القراءة تبدو صحيحة في جانب منها، فمقارنة الإمكانات العسكرية التي تملكها الفصائل المسلحة المعارضة وما تملكه الحكومة الفيدرالية تكشف عن فجوة كبيرة، إذا ما عرفنا أن الحومة الفيدرالية تمتلك جيشا نظاميا كبيرا وقدرات عسكرية متنوعة ومنظومة قيادة مركزية وعتاد عسكري كبير ومنتوع ناهيك عن امتلاكها قدرة الحصول على دعم خارجي وهي عوامل تجعل الحكومة الفيدرالية قادرة على امتلاك زمام المبادرة.

غير أن خطورة الفصائل المسلحة ضمن التحالف المعلن تكمن في انتشارها الجغرافي الذي يمتد من الشمال وصولا إلى العاصمة أديس ابابا، وإمكانية انخراطها المتزامن في عمليات عسكرية ضد حكومة أبي أحمد تبدو واردة تماما كما حصل مؤخرا في بانخراط قوات جبهة تحرير تيغراي وقوات عفر وأمهرة في المواجهات العسكرية الأخيرة وتمكن قوات «فانو» من ضرب خطوط إمداد الجيش الفيدرالي المتجهة إلى تيغراي، بما في ذلك طرق رئيسية في أمهرة.

سيناريوهات كارثية

في حال لم تتمكن الحكومة الفيدرالية من احتواء الأزمة الراهنة، فإن السيناريو الأقرب المتوقع حدوثه في الأيام القادمة أن تواجه حكومة آبي احمد حروبا محلية منفصلة، تبدأ من إقليم تيغراي شمالا وإقليم امهرة المجاور وصولا إلى أوروميا في الوسط، ما سيزيد من إنهاك الجيش الفيدرالي الاثيوبي الذي سيكون مضطرا إلى توزيع قواته في عدة جبهات، خصوصا إذا ما حصل تنسيق بين الفصائل المسلحة المتحالفة بعمليات عسكرية متزامنة.

هذا الامر جعل حكومة آبي احمد تنظر إلى تحالف الفصائل السبع باعتباره خطراً استراتيجياً وسط مخاوف من تحوله إلى جبهة وطنية واسعة، وهو السيناريو الذي تخشى الحكومة الفيدرالية حصوله في الفترة القادمة، كونه سيقحم اثيوبيا في دوامة حرب واسعة النطاق، في ظل التقديرات التي تشير إلى احتمال أن يحصل التحالف على دعم خارجي منتظم قد ينقل الحرب من تمردات إقليمية منفصلة إلى حرب استنزاف متعدد الجبهات.

ومع الإقرار بأن الجيش الاثيوبي يمتلك إمكانيات عسكرية كبيرة مقارنة بما لدى الفصائل المسلحة المعارضة إلا أن تجارب الواقع تؤكد أنه يصعب على الجيش حسم معاركه في 7 جبهات في الوقت نفسه بما يعني أنه سيحتاج إلى مدى زمني طويل لإخماد الجبهات واحدة تلو الأخرى وهي مشكلة قد تساهم في إعادة بناء الجبهات مرة أخرى وخوض حرب طويلة تهدد بتداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية مستقبل الدولة الاثيوبية.

من جانب آخر فإن مسار احتواء الحكومة الفيدرالية للتحالف الجديد تبدو معقدة وتحتاج لكثير من الوقت، وأكثر ما يمكن ان تفعله الحكومة حاليا هو قيادة أنشطة لتفكيك التحالف ومنع حصوله على دعم خارجي خصوصا وأن قضية الدعم الخارجي يمكن أ، قد يقلب المعادلة العسكرية بالكامل.

وسيكون صعبا على الحكومة الفيدرالية في ظل الاحتفان الحاصل إدارة مفاوضات حتى مع الفصائل الصغيرة التي أعلنت أنها لن تحمل السلاح ضد الحكومة، فالحكومة الفيدرالية أخفقت خلال الفترة الماضية في تلبية مطالب سياسية وتنموية بسيطة كما فشلت في حلحلة مشاكل عميقة على شاكلة منح بعض الأقاليم ترتيبات سياسية مقبولة أو معالجة قضايا المناطق المتنازع عليها بين الاقاليم أو حتى ضمان عودة مئات الآلاف من النازحين الذين تضرروا من حرب الحكومة مع جبهة تحرر تيغراي 2020.

وبصورة عامة فإن المشهد المضطرب في اثيوبيا اليوم المرشح للتوسع بامتدادات إقليمية لن يجعل أي حرب تخوضها الحكومة الفيدرالية شأنا محليا خصوصا في ظل استمرار أزماتها مع مصر والسودان وجمهورية ارض الصومال وكذلك مع اريتريا التي تحولت بعشية وضحاها من حليف لأديس ابابا إلى داعم لخصومها، ما يرجح تحول ازمة الحرب الدائرة اليوم إلى أزمة إقليمية أوسع نطاقا.

قد يعجبك ايضا