انتقام الجغرافيا: لماذا تتحقق نبوءة كابلان بأن اليمن سيغيّر السعودية؟

سامي عطا

 

دولة فقيرة ومنقسمة، تجاهلها معظم المحللين الاستراتيجيين، تقلب موازين القوى في الشرق الأوسط. ما كتبه المفكر الأمريكي روبرت كابلان في ” انتقام الجغرافيا ” بدا يومها مبالغة أكاديمية، لكن أحداث أكتوبر 2026م تكشف أنه لم يكن يتنبأ بالمستقبل فحسب، بل كان يقرأ الخريطة بوصفها قدراً.

مقدمة: الخطيئة الأصلية التي لا تُنسى

لفهم كيف يمكن لليمن أن يغيّر السعودية، لا بد من العودة إلى نقطة الصفر في علاقتهما. أزمة اليمن لم تبدأ عندما اجتاح أنصار الله صنعاء عام 2014م، ولا حين تدخّل التحالف العدوان العربي عام 2015م. جذورها أعمق من ذلك بكثير، مغروسة في طبقات الاستعمار والإمبريالية والصراع على النفوذ.

منذ القرن السادس عشر، توالت على اليمن قوى عظمى، البرتغال، ثم الدولة العثمانية، ثم بريطانيا التي أنشأت ” محمية عدن ” وقسمت اليمن إلى شمال وجنوب. وبعد انهيار العثمانيين عام 1918م، قامت المملكة المتوكلية اليمنية المستقلة، بينما كانت الأسرة السعودية تبني مملكتها بالتوسع في الجزيرة العربية.

وهنا تأتي اللحظة المفصلية؛ ففي عام 1926م، ضمّت السعودية منطقة عسير التي كانت ارض يمنية. ثم في حرب 1934م، هزمت السعودية اليمن وضمّت جيزان ونجران وعسير رسمياً إلى أراضيها. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من جنوب غرب السعودية الحالي، في الحقيقة أرض يمنية، وتظل ” أرضاً محتلة “. هذا الجرح التاريخي لم يندمل قط، ويشكّل التربة الخصبة التي تنمو فيها مشاعر عدم الثقة والعداء العميق تجاه السعودية لدى مختلف القوى اليمنية — من سبتمبري الأمس ” السبتمبريين الحقيقيين ” إلى سبتمبري اليوم.

كابلان، في تحليله للشرق الأوسط، أشار إلى أن صراعات المنطقة غالباً ما تنبع من ” القصص التي ترويها الخرائط “. الحدود اليمنية – السعودية هي مثال نموذجي على ” عنف الخرائط “: خط رسمته معاهدات استعمارية وهزائم عسكرية، قطّع دولة ذات حضارة عريقة، وترك جرحاً مفتوحاً للأجيال اللاحقة.

بصيرة كابلان — كيف ” تنتقم ” الجغرافيا ؟

جوهر أطروحة كابلان هو أن الجغرافيا ليست خلفية، بل قدر. في كتابه ” إنتقام الجغرافيا ” ، حلّل بدقة ما سماه ” الحزام المكسور ” في أوراسيا، مشيراً إلى أن الدول التي مزقتها إرث الإمبراطوريات والحدود الاستعمارية والعوائق الطبيعية غالباً ما تتحول إلى ساحات دائمة للصراع بين القوى العظمى.

اليمن هو الحالة النموذجية لهذه النظرية. فهو يتحكم في مضيق باب المندب — الشريان الحيوي بين البحر الأحمر وخليج عدن، حيث يمر حوالي 12% من التجارة العالمية وكميات هائلة من إمدادات الطاقة. كابلان، في تحليله لـ” المحور الإيراني “، شدد على أن من يسيطر على نقاط الاتصال بين الخليج والمحيط الهندي يمتلك رافعة جيوسياسية أساسية في لعبة الطاقة. موقع اليمن يجعله عقدة استراتيجية لا تستطيع السعودية ولا إيران ولا أمريكا — بل ولا باكستان وتركيا — تجاهلها.

والأهم من ذلك، أن تضاريس اليمن نفسها هي شكل من أشكال ” جغرافيا المقاومة “. المرتفعات الشمالية هي معقل الزيدية، والحصن الطبيعي لأنصار الله . كل القوى الخارجية — العثمانيون، البريطانيون، والتحالف السعودي — تكبّدت خسائر فادحة في هذه الجبال. ” انتقام الجغرافيا ” الذي يتحدث عنه كابلان يتجلى في اليمن هكذا، دولة فقيرة ومنقسمة ومهملة، بفضل تضاريسها وموقعها وصمود سكانها، تجبر القوى الإقليمية على ضخ موارد استراتيجية باستمرار في هذه ” مقبرة الإمبراطوريات “.

عام 2026م — التحقق من النبوءة

أحداث أكتوبر 2026م تقدم الدليل الأكثر إقناعاً على صحة نبوءة كابلان.

في 5 أكتوبر، أعلنت المملكة وحكومة الفنادق بدء عملية ” فجر اليمن “، وشنّ التحالف بقيادة السعودية ضربات جوية، فردّ الحوثيون بهجمات صاروخية وبالستية وطائرات مسيّرة على مطارات ومنشآت نفطية ومواقع عسكرية داخل السعودية. وفي اليوم نفسه، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان تفعيل آلية الدفاع الجماعي في ” اتفاق مكة للدفاع المشترك “، وأرسلت باكستان قوات إلى السعودية للمساعدة في حماية الحدود البرية واعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ.

هذا يمثل تحولاً نوعياً في الصراع اليمني مع المملكة ومرتزقتها ، إذ عجزت سردية المملكة في تصوير الحرب بكونها ” حرب أهلية ” وأضحت حرب بالوكالة إقليمية ومواجهة مباشرة متعددة الأطراف. كما يشير الباحث الصيني ليو تشونغمين، فإن الأحداث الحالية ” تشكّل بالفعل جبهة ثانية معقدة ومترابطة مع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية، لكنها تتمتع باستقلالية نسبية كبيرة “. السعودية لم تعد تقاتل الأنصار داخل اليمن فحسب، بل أصبح أمنها الداخلي مهدداً بشكل مباشر، واضطرت لتفعيل آليات دفاع متعددة الأطراف لمواجهة الضربات المستمرة من الاتجاه اليمني.

دور باكستان يستحق التوقف. فقد أرسلت قوات دفاع جوي وطائرات مسيّرة وأنظمة اتصالات عسكرية إلى السعودية، بمهمة ” تعزيز الدفاع الجوي والاستطلاع والدعم الفني “. ورغم نفي باكستان تقارير عن ” نشر 30 إلى 40 ألف جندي “، فإن مجرد نشر دولة نووية لقواتها في السعودية يكفي للدلالة على أن التهديد من الاتجاه اليمني أصبح يُنظر إليه في الرياض كمسألة وجودية.

في الوقت نفسه، الموقف الأمريكي يمثل متغيراً حاسماً آخر. ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب مراراً مساعدة عسكرية أمريكية ضد الحوثيين، لكنه لم يحصل على الموافقة. أمريكا ” مستعدة فقط لتقديم دعم استخباراتي ومعلومات أهداف “، وإدارة ترامب ” غير راغبة في التورط أكثر في الحرب اليمنية “. وهذا يعني أن السعودية تجد نفسها مضطرة لمواجهة الضغط المستمر من اليمن بمفردها، دون دعم عسكري أمريكي مباشر — وهذا بالضبط ما تنبأ به كابلان عن ” القدر الجغرافي “: مهما كانت السعودية غنية ومجهزة بأحدث الأسلحة، فإنها لا تستطيع تغيير حقيقة أنها تشترك في حدود طويلة ويصعب السيطرة عليها مع اليمن.

لماذا ” تغيير السعودية ” وليس مجرد ” تهديدها ” ؟

جوهر نبوءة كابلان ليس أن ” اليمن سيهزم السعودية “، بل أن ” اليمن سيغيّر السعودية “. والفرق بين الأمرين جوهري.

الهجمات المستمرة للحوثيين على المنشآت النفطية والمطارات السعودية تعيد تشكيل السلوك الوطني السعودي من عدة أبعاد:

على المستوى الأمني، تُجبر السعودية على تحويل موارد ضخمة من خطة التحول الاقتصادي “رؤية 2030″ إلى الدفاع وأمن الحدود. وتفعيل آلية الدفاع الجماعي الثلاثية (السعودية-باكستان-تركيا) يشير إلى أن السعودية تبني هندسة أمنية إقليمية لا تقودها أمريكا، وهذا في حد ذاته تعديل بنيوي في العلاقة الأمنية التقليدية مع واشنطن.

على مستوى الدور الإقليمي، تحوّلت السعودية من ” متدخل في الحرب الأهلية اليمنية ” إلى ” طرف مهدد يحتاج إلى الحماية “. هذا الانقلاب في الأدوار يضعف سردية السعودية كـ” مرساة الاستقرار ” في الخليج، ويدفعها لتبني مواقف أكثر دفاعية وتحفظاً في الشؤون الإقليمية.

وعلى مستوى الاستقلالية الاستراتيجية، تراجع مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية يدفع السعودية لتسريع البحث عن شركاء أمنيين متنوعين. الهوية النووية الباكستانية والقدرات العسكرية التركية تملآن جزئياً الفراغ الذي تركته أمريكا. إعادة تشكيل العلاقات الأمنية هذه ستمتد تأثيراتها إلى ما هو أبعد بكثير من ساحة اليمن.

اللحظة اليمنية وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

في ختام كتابه، يستشهد كابلان ببروديل للتأكيد على كيف أن البنى التاريخية ” طويلة الأمد ” تقيّد وتشكّل الأحداث الراهنة. من هذا المنظور، ما يمر به اليمن ليس أزمة عابرة، بل تحرر مركّز للطاقة الجيوسياسية المكبوتة منذ قرون.

اليمن ليس ” استثناء ” في الشرق الأوسط أو عينة عرضية من ” الدول الفاشلة “. على العكس تماماً، هو المختصر المكثف للتناقضات الجيوسياسية في المنطقة: سموم الحدود الاستعمارية، ذكريات الصراع الإمبراطوري، التوتر بين شح الموارد والموقع الاستراتيجي، التجاذب بين التدخل الخارجي والصلابة الداخلية. عندما تنفجر كل هذه العوامل في بلد يبلغ عدد سكانه ثلاثين مليون نسمة ويطل على أحد أهم الممرات المائية في العالم، فإن موجات الصدمة لا يمكن حصرها داخل حدوده.

المعنى الحقيقي لـ” اللحظة اليمنية ” هو أن خريطة القوى في الشرق الأوسط تمر بإعادة تشكيل تفرضها الأطراف الهامشية على المركز. فالدول الصغيرة التي رفضت لعب دور البيادق، تطلق طاقة كافية لتغيير شكل الرقعة نفسها. ما تمر به السعودية ليس صراعاً حدودياً، بل عودة حقيقة جيوسياسية: حدودها الجنوبية الغربية لم تكن يوماً حاجزاً آمناً، بل خط صدع نشط باستمرار.

نبوءة كابلان تستمد قوتها من رفضه اعتبار الجغرافيا مجرد ” خلفية “. في إطاره التحليلي، كل حدود على الخريطة، وكل جبل، وكل مضيق، هي قوى فاعلة. اليمن يثبت اليوم أن الجغرافيا لا تنتقم فقط، بل أحياناً تعيد تعريف من هو القوي الحقيقي.

قد يعجبك ايضا