قراءة في نفسية العنف وجذور التطرف في اليمن عندما يصبح القاتل مريضاً

سامي عطا

 

مقدمة / الجريمة التي تلبس ثوب المرض

في أعقاب أي حرب، تبرز أسئلة قاسية تتعلق بالضحايا والجلادين على حد سواء. لكن السؤال الأكثر إزعاجاً الذي يواجه المجتمعات المنكوبة هو: كيف يمكن لشخص أن يقتل، ثم يلتذ بقتله؟ ما الذي يجعل إنساناً يتحول إلى آلة تدمير لا تشعر بالذنب، بل تجد في الألم متعة ؟

هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو مفتاح لفهم ما جرى في اليمن خلال سنوات الحرب الأخيرة، حيث لم تقتصر الجرائم على ساحات المعارك، بل امتدت إلى المدن والأحياء والبيوت، وظهرت قضايا هزّت الضمير الإنساني: من التعامل الوحشي مع الأسرى، إلى جريمة ” بيت الرميمة والجنيد “، إلى ما جرى في تعز من انتهاكات ” افتهان المشهري “، إلى قضيتي ” أمجد عبدالرحمن ” و” عمار باطول ” وقضية أختفاء ” عشال ” في عدن وقضية قتل مسافر ” السنباني ” في لحج وغيرها من القضايا التي لا تعد ولا تحصى . قضايا لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل كشفت عن بنية نفسية وثقافية أفرزت هذا النمط من القتلة.

القتل الذي يتلذذ.. قراءة نفسية

عندما يتحول القتل من ضرورة إلى متعة، فإننا لا نتحدث عن جريمة عادية، بل عن اضطراب نفسي مركّب. علم النفس الجنائي يخبرنا أن هناك فرقاً بين القتل الدفاعي والقتل المتلذذ. الأول غريزة بقاء، والثاني مرض. وفي الحالة اليمنية، يبدو أن الحرب لم تُنتج فقط ضحايا، بل أنتجت أيضًا جيلاً من القتلة الذين وجدوا في العنف متنفساً لاضطرابات مكبوتة.

يقول الطبيب النفسي روبرت هير في كتابه الشهير ” بلا ضمير ” ( Without (Conscience إن هناك أنماطاً من الشخصيات السيكوباتية لا تشعر بالذنب، ولا تتعاطف مع ضحاياها، بل ترى فيهم مجرد أدوات لإشباع رغبة داخلية. هذا الوصف ينطبق بشكل مقلق على كثير من الجرائم التي شهدها اليمن، حيث لم يعد القتل مجرد وسيلة لتحقيق هدف عسكري، بل أصبح غاية في حد ذاته.

ويضيف إريك فروم في كتابه “ تشريح التدميرية “ ( The Anatomy of (Human Destructiveness أن الإنسان قد يتطور لديه ما يسميه “ النزعة التدميرية الخبيثة “، وهي رغبة في تدمير الحياة ليس دفاعاً عن النفس، بل لأن الحياة نفسها أصبحت عبئاً ثقيلاً لا يُحتمل. وهذا ما يفسر كيف يمكن لشخص أن يذبح أسيراً ثم يبتسم ويتباهى بفعله، والأنكى من ذلك أن تشترك نخب في نقله بتلذذ وفرح.

الوهابية.. الوافد الثقيل وجذور الوباء

لا يمكن فهم ما جرى في اليمن دون العودة إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما دخلت الوهابية إلى البلد “ ضيفاً ثقيلاً “، محمولة على أموال البترودولار، ومؤسسة عبر معاهد دينية تخرج منها آلاف الشباب الذين تلقوا تعليماً يقوم على تكفير الآخر واستباحة دمه.

اليمن تاريخياً عرف مذاهب الزيدية والشافعية والإسماعيلية، وتعايشت هذه المذاهب قروناً في تناغم نسبي، لم يعرف هذا النمط من التطرف. لكن الوهابية، كما يقول المفكر المصري حسن حنفي في كتابه “ التراث والتجديد “، لم تكن مجرد مذهب ديني، بل كانت “ أيديولوجيا سياسية “ استُخدمت لتفكيك المجتمعات وإنتاج إنسان جديد لا يعرف سوى القطبين: مؤمن يجب نصرته، أو كافر يجب قتله.

ويشير المفكر اليمني الراحل عبد الله عبد الرحمن في كتابه “ اليمن بين الحاضر والماضي “ إلى أن الوهابية لم تُستورد كعقيدة فقط، بل كمنظومة كاملة من القيم التي تعتبر الرحمة ضعفاً، والتسامح خيانة، والتعايش انحلالاً. هذه المنظومة هي التي أنتجت ما نراه اليوم من وحشية.

من الجبهة إلى المدينة .. الجريمة حين تصبح ثقافة

ما جرى في “ بيت الرميمة والجنيد “ لم يكن مجرد جريمة حرب، بل كان تعبيراً عن ثقافة كاملة تشربها أفراد تلقوا تعليماً يقوم على كراهية الآخر. الأمر ذاته ينطبق على ما جرى في تعز وعدن، حيث تحولت المدن إلى مسارح لجريمة لم تعد تخيف أحداً، بل أصبحت شيئاً معتاداً.

هنا يبرز سؤال مهم، كيف يمكن لمجتمع أن يعود إلى الحياة بعد أن شرب أبناؤه ثقافة الموت؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من الاعتراف بأننا أمام مشكلة نفسية وتربوية، وليست فقط عسكرية أو سياسية.

نحو مصحات نفسية.. إعادة تأهيل القاتل قبل الضحية

في نهاية المطاف، فإن مواجهة هذا الوباء تتطلب أكثر من الحلول الأمنية. إنها تتطلب مشروعاً وطنياً لإعادة التأهيل النفسي والعقلي، ليس فقط للضحايا، بل للقتلة أيضاً. لأن القاتل الذي لا يُعالج سيظل قنبلة موقوتة في جسد المجتمع.

يقول عالم النفس إريك فروم في “ تشريح التدميرية “ أن “ المجتمع الذي ينتج قتلة يجب أن يعالج نفسه قبل أن يعالجهم “. وهذا يعني أن مهمة الأنصار وأهل تعز واليمن عمومًا ليست فقط فتح مصحات نفسية، بل بناء منظومة تربوية جديدة تقوم على قيم الرحمة …

…

السؤال الأصعب الذي يطرحه هذا المقال ليس “ كيف نعالج القاتل ؟ “ بل “ هل يمكن أن نغفر له ؟ “ ربما لا توجد إجابة واحدة، لكن المؤكد أن الغفران والتسامح يبدأ من الفهم، والفهم يبدأ من الاعتراف بأن ما حدث لم يكن مجرد حرب، بل كان انهياراً نفسياً وثقافياً يحتاج إلى إعادة بناء شاملة.

المشكلة ليست في القاتل وحده، بل في المجتمع الذي أنتجه، والثقافة التي بررته، والصمت الذي غطى عليه.

 

قد يعجبك ايضا