الثورة نت/
لم يعد الخوف في غزة مرتبطًا بصوت القصف وحده، بل بات يسكن تفاصيل الحياة اليومية، من نافذة قد تخترقها رصاصة، إلى باب متهالك تهزه الانفجارات، وصولًا إلى طريق يخرج منه النازح بحثًا عن الماء، ولا يعرف إن كان سيعود منه سالمًا. هنا، حيث يفترض أن تكون الهدنة بداية للنجاة، يواصل الفلسطينيون مواجهة الموت والنزوح، فيما تتقدم حدود ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» غربًا، لتضيق معها المساحة المتاحة للحياة.
بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار، لا يزال الفلسطينيون في قطاع غزة يواجهون إطلاق النار والقصف والتهجير، وسط اتساع المناطق المقيدة الوصول وتراجع فرص العودة إلى المنازل. وتحولت مناطق الخط الأصفر، الذي ارتبط بترتيبات الانسحاب، إلى واقع ميداني يعيد رسم جغرافية القطاع، ويزيد معاناة أكثر من مليوني فلسطيني.
في حي التفاح شرق مدينة غزة، يعيش أحمد رباح البرعي مع عائلته داخل غرفة مؤقتة، لا توفر لهم حماية كافية من القصف المتكرر.
ويقول، في حديث لوكالة (شهاب) الفلسطينية، إن إطلاق النار والقصف بالطائرات المسيّرة والآليات والدبابات يتكرر يوميًا منذ بدء الاتفاق في أكتوبر 2025، ولا سيما خلال ساعات المساء.
ويضيف أن الانفجارات ألحقت أضرارًا متكررة بنوافذ الغرفة وأبوابها المصنوعة من الشوادر والألمنيوم، ما يضطره أحيانًا إلى إبقاء الباب مفتوحًا جزئيًا لتجنب تضرره من ضغط الانفجارات، رغم البرد والمخاطر التي تهدد أطفاله.
وبالنسبة إلى البرعي، لم تعد أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كجلب المياه ونشر الملابس، تخلو من الخطر، خصوصًا بالقرب من الخط الأصفر. وقد ازدادت مخاوفه بعد إصابة زوجته برصاصة أطلقتها طائرة مسيّرة أثناء وجودها مع طلابها في نقطة تعليمية قريبة من مكان نزوحهما، قبل ساعات من تسجيل حديثه، مشيرًا إلى أنها تتلقى العلاج رغم أن الرصاصة لم تخترق جسدها.
ويروي كذلك أن طفلة من المنطقة أصيبت برصاصة خلال فترة المجاعة العام الماضي، ما أدى إلى إصابتها بشلل نصفي واضطرارها إلى استخدام كرسي متحرك.
ولا تقتصر هذه المخاطر على الأفراد، بل تتزامن مع تغيرات ميدانية متسارعة. إذ قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن الخط الأصفر يمثل سياسة القضم الممنهج لابتلاع القطاع، موضحًا أن تمدده ترافق مع إقامة سواتر ترابية ونقاط تمركز عسكرية، وتجريف أراضٍ زراعية وهدم أحياء ومنع السكان من العودة إلى منازلهم.
وحذر الثوابتة من أن هذه الإجراءات تؤدي إلى عزل مناطق القطاع بعضها عن بعض، وتكديس السكان في مناطق نزوح تفتقر إلى مقومات الحياة، بما يهدد بتحويل غزة إلى «معازل جغرافية» غير قابلة للحياة.
ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، بلغت المناطق المقيدة الوصول نحو 65% من مساحة القطاع. وأظهرت صور أقمار صناعية حللتها وكالة أسوشيتد برس أن السواتر الترابية الممتدة على طول الخط تجاوزت 23 كيلومترًا حتى يوليو2026، فيما رصدت شبكة الجزيرة نحو 40 موقعًا عسكريًا دائمًا داخل القطاع.
كما أفادت خدمة التحقق في هيئة الإذاعة البريطانية بنقل كتل إسمنتية في حي التفاح نحو 295 مترًا غربًا بين نوفمبر وديسمبر 2025، أعقب ذلك تدمير 40 مبنى على الأقل، في حين أشارت تقارير إلى اختلاف تقديرات مساحة سيطرة العدو الإسرائيلي والمناطق المقيدة الوصول، التي تراوحت بين 59% و70% من مساحة القطاع.
وتتفاقم التداعيات الإنسانية مع تقلص الأراضي المتاحة للسكان. فقد قدّرت الأمم المتحدة في سبتمبر 2026 أن الفلسطينيين يعيشون في أقل من 40% من مساحة غزة، فيما أشار المجلس الدنماركي للاجئين إلى أن العائلات النازحة محصورة في نحو 30% من الأرض. وأظهر تقييم مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أن 448 هكتارًا فقط من الأراضي الزراعية، أي نحو 3%، بقيت متاحة وسليمة حتى يونيو/حزيران 2026.
وبينما يواصل البرعي وعائلته العيش تحت وطأة الخوف من الرصاص والقصف، يواجه آلاف النازحين مستقبلًا غامضًا، بين مناطق تضيق مساحتها وأحياء لم تعد صالحة للسكن وطرق يخشون عبورها.
في غزة، لم تعد الهدنة تعني انتهاء الخطر، كما لم يعد مرور عام على الاتفاق كافيًا لفتح أبواب العودة. فالأرض التي ينتظر أصحابها الرجوع إليها تتعرض لمزيد من التغيير، والمنازل التي نجت من القصف قد تصبح خارج متناول أهلها، فيما تستمر الحياة معلقة بين رصاصة محتملة وحدود تتحرك دون إنذار.
وهكذا، لا يقيس الفلسطينيون في غزة مرور أيام الهدنة بقدر ما يقيسونه بما تبقى لهم من أرض يستطيعون الوقوف عليها، وبيت يمكنهم العودة إليه، وطريق لا يخشون سلوكه. فحين يتقدم الخط الأصفر غربًا، لا تتراجع مساحة الجغرافيا وحدها، بل تتراجع معها فرص النجاة والاستقرار، ويظل السؤال الذي يطارد النازحين أكبر من موعد العودة: كم سيتبقى من غزة حين يُسمح لهم أخيرًا بالرجوع؟
