انكسار سياسة القتل والترهيب

وديع العبسي

اصرنا في العام الثاني عشر من العدوان والحصار، فهل تساءل قطبا التحالف (السعودي والأمريكي): ما الذي تحقّق على الأرض؟
الحقيقة ان حصيلة مؤمراته وتشنجاته، وضخ الاموال لشراء المواقف وقرارات مجلس الأمن، لم تكن اكثر من ارقام مخزية لحجم القتل  والاصابات والتشريد، وضرب المساجد والمدارس والمستشفيات ومشاريع المياه ومولدات الكهرباء.
انتهج العدوان طوال هذه الفترة سياسة دموية، مسنودة بحصار خانق؛ في سعيٍ حثيث لانهاك الشعب اليمني وقتل أي قدرة لديه على المقاومة، وسحق أي إرادة ترفض الهيمنة السعودية-الأمريكية لسلب الأمة قرارها وسيادتها على كامل التراب اليمني.
الأكيد أن استراتيجية القتل والتدمير التي اعتمدها التحالف السعودي لم تؤدِّ إلا إلى تعميق مأزقه الأخلاقي والسياسي، وتحويل الحرب من مواجهة تقنية أو تكتيكية إلى حافز قوي للشعب اليمني للعمل على امتلاك مقومات القوة التي تمكنه من الدفاع عن نفسه وسيادته. وهو ما تجسّد واقعاً عملياً ينطلق من مرجعياتٍ عقائدية وجذورٍ حضارية أصيلة.
وبالنظر إلى الواقع نجد ان تمادي العدوان وإسرافه في سفك دماء الأطفال والنساء لم يزد المجتمع اليمني إلا استماتة وتلاحماً خلف قيادته. وتحول كل تصعيد جديد إلى محطة لتطوير القدرات الدفاعية والهجومية للقوات المسلحة وتعاظم كفاءتها.
وبفضل هذا التلاحم الوثيق بين المظلومية والموقف الإيماني الصارم، تحول اليمن من جغرافيا محاصَرة ومستهدَفة إلى مركز ثقل استراتيجي يصنع معادلة الردع في المنطقة، ويرفض الانصياع للضغوط الإقليمية والدولية المنحازة اصلا لمنطق الجلاد.
ولا شك في أن استمرارية الحراك الشعبي المليوني وتصاعد الخيارات العسكرية يُثبتان، وفق تأكيدات السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في كلمته -الخميس- أن الرهان على استنزاف هذا الشعب هو رهان على سراب، وأن المعادلة التي تحكم المنطقة اليوم لم تعد تُصاغ في أروقة التحالفات التقليدية، او القوى التي تكلّس فكرها وتجاوزها الزمن، وإنما تتشكل بفعل ثبات وتضحيات شعب يختزن الإيمان والحكمة، ويتخذ من كرامته وأرضه ومقدساته خطوطاً حمراء لا يقبل التراجع عنها مهما بلغ حجم التضحيات والكلفة الإنسانية المترتبة على هذا الصمود التاريخي والاستثنائي.
«وفي التصعيد السعودي الراهن، تتجلى مجدداً استراتيجية سعي التحالف لفرض إرادته على الشعب اليمني بذات الأدوات المتهالكة والرغبة اللاهثة لإجباره على الخنوع والاستسلام؛ إذ يكرر العدو السعودي سيناريوهاته ذاتها في كل جولة تصعيد، فلا تتجاوز ممارساته ارتكاب المجازر واستهداف الأعيان المدنية والتجمعات السكنية، عاجزاً عن ابتكار أي مسارٍ آخر.
في هذه اللحظة، اصطدم العدو بما لم يكن في حسبانه؛ إذ برز اليمن أكثر قوةً وأشد اقتداراً على فرض معادلات ميدانية جديدة ومؤلمة. حيث فرضت القوات المسلحة قيوداً صارمة على حركة ملاحته وتصدير شحناته النفطية، واتبعت الأمر برفع وتيرة الاستهداف وتوسيع بنك أهدافه الاستراتيجية، في إطار تثبيت معادلة: «الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد».
وبينما كان المتغطرس السعودي يحاول فتح منافذ لإغاثته والخروج من مأزقه، إذا بالعمليات اليمنية تتجاوز كل الخطوط لِتُصيب عمقه الاستراتيجي وتستهدف العاصمة الرياض، مسببةً حالة من الفوضى العارمة في أجوائه ومطاراته؛ الأمر الذي أسفر عن إلغاء مئات الرحلات الجوية يومياً، وتعليق العديد من شركات الطيران العالمية لرحلاتها المتجهة نحو الأراضي السعودية.
وفي هذا التوقيت الحرِج، يتخلّى الحلفاء والداعمون -وفي مقدمتهم أمريكا وبريطانيا -عن حليفهم السعودي، مؤكدين بأسلوب غير مباشر خطورة الوضع الأمني داخل المملكة؛ حيث سارعوا إلى تحذير رعاياهم ودعوتهم لتقييد تحركاتهم، مع تصنيف مناطق حيوية كـ (الرياض، ونجران، وجيزان، وعسير، وأبها) بوصفها بؤراً غير آمنة.
ويبقى التصعيد مفتوحاً على كل الاحتمالات؛ بالنظر إلى إصرار المعتدي على مضاعفة المعاناة واستهداف الشعب اليمني بسياسته العدوانية، ورفضه المتمادي لرفع يده عن اليمن وأرضه ومقدراته.
اليمن لن يتراجع ولن يساوم؛ لأنه صاحب حقٍ مشروع اتخذ قراره النافذ لاستعادته والدفاع عنه، وهو حقٌّ أبلج تثبته شواهد التاريخ والواقع، ولا يملك أي طرفٍ في هذا العالم أن ينتزع صحته أو ينفي مشروعيته.

قد يعجبك ايضا