البكاء على “الجمهورية” من غرف “اللجنة الخاصة”!

يكتبها اليوم / محمد عبدالله الخربي

 

يُروى في طرائف تراثنا العربي، أن جحا اشترى يوماً كيلوغراماً من اللحم، وأعطاه لزوجته لتطبخه، فأكلته كله مع صديقاتها. وعندما عاد جحا يطلب عشاءه، قالت له باكية: “لقد أكله القط!”. فما كان من جحا إلا أن مسك القط ووضعه على الميزان, فوجد وزنه كيلوغراماً واحداً بالضبط! فقال لها متهكماً: “يا امرأة، إذا كان هذا هو اللحم، فأين القط؟ وإذا كان هذا هو القط، فأين اللحم؟!”.

هذه النكتة التراثية تختزل، برداءة مضحكة ومبكية، العقلية السياسية للنظام السعودي وأدواته من الخونة في اليمن. فمنذ 11 أكتوبر 1977 وحتى يومنا هذا، تحاول اللجنة الخاصة السعودية وسفارتها إقناع اليمنيين بأن “القط” التهم سيادتهم واستقلالهم ورئيسهم الشهيد إبراهيم الحمدي، بينما الميزان التاريخي والدامغ يثبت بالمليغرام أن اللحم والدم والسكين كلها صُنعت في لجان الرياض الإشرافية. ينطبق عليهم المثل العربي القديم: “رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ”. يقتلون القتيل، ويمشون في جنازته، ثم يطالبون الورثة بدفع ثمن الرصاص والسكاكين!

بعد مرور 49 عاماً على الفاجعة، لم تعد الجريمة مجرد ذكرى بكائية؛ بل هي الكتالوج الذي فككته العاصمة صنعاء بالوثائق الرسمية، لنكتشف عُهراً سياسياً غير مسبوق: الخونة الذين يتباكون اليوم من فنادق الرياض على “الجمهورية ومكتسبات سبتمبر”، هم أنفسهم الأحفاد البررة للأدوات التي ذبحت رئيس الجمهورية في غرفة الغداء تنفيذاً لأوامر اللجنة الخاصة الملكية!

“فاتورة الدم” بالأرقام والأسماء الموثقة

لم يعد الحديث عن اغتيال الحمدي رجمًا بالغيب. فقد حسم التقرير الرسمي الصادر عن دائرة التوجيه المعنوي في صنعاء الجدل بالأسماء الثلاثية والجهات. الجريمة لم تكن تصفية محلية، بل أدارتها شبكة معقدة ضمت 3 مؤسسات سيادية سعودية: (السفارة السعودية في صنعاء، الاستخبارات العامة، والديوان الملكي). وتكشف الوثائق أن المشرف المباشر على ذبح المشروع اليمني داخل الغرفة كان الملحق العسكري السعودي صالح الهديان، وبمشاركة تنفيذية ومباشرة من الأدوات المحلية وعلى رأسهم أحمد الغشمي وعلي عبد الله صالح (الذي كان حينها قائداً لواء تعز ونال مكافأته بالصعود إلى العرش برعاية علي بن مسلم مسؤول الملف اليمني في الديوان الملكي). الرقم هنا ليس مجرد تاريخ، بل هو كلفة تصفية حلم شعب كامل من أجل إرضاء سفير إقليمي.

“فوبيا” 14 أكتوبر.. هلع الرياض من “جغرافيا اليمن الواحد”

السر الحقيقي للتوقيت يكمن في الحسابات الجغرافية المرعبة للرياض. اغتيل الحمدي قبل 48 ساعة فقط من زيارته المجدولة إلى عدن في 13 أكتوبر 1977، لمشاركة الشطر الجنوبي احتفالات ثورة 14 أكتوبر، وإعلان خطوات حاسمة للوحدة اليمنية مع الرئيس سالم ربيع علي (سالمين). كانت السعودية تدرك بالأرقام والخرائط أن يمنًا موحدًا بمساحته الإستراتيجية، وكتلته البشرية، وإشرافه الكامل على مضيق باب المندب، يعني انتهاء عصر “الحديقة الخلفية” إلى الأبد، وتحول اليمن إلى القوة الإقليمية الضاربة في الجزيرة العربية. لذا، كان القرار سريعا: اقطعوا الرأس قبل أن يتحد الجسد.

خطة “الإنزال الجوي وإسقاط الطائرة”.. بدائل القتلة المحترفين

من الأسرار التي وثقتها مستندات صنعاء المعثور عليها في دهاليز الأرشيفات السرية المقفلة، أن مأدبة الغداء لم تكن الخيار الوحيد للجنة الخاصة السعودية. كشفت الوثائق أن الاستخبارات السعودية، عبر رجلها ووزير الخارجية اليمني آنذاك عبد الله الأصنج، وضعت 4 سيناريوهات بديلة وتفصيلية لتصفية الحمدي في حال فشل مخطط استدراجه للمأدبة:

1. قصف منزله مباشرة في صنعاء وتفجيره.

2. إسقاط طائرته الرئاسية أثناء الإقلاع من مطار صنعاء.

3. تفجير الطائرة أثناء تحليقها في الأجواء بين الشطرين.

4. اغتياله عبر قناصة محترفين تمت محاولة تجنيدهم برعاية سعودية عند وصوله مطار عدن.

هذا الهوس الاستخباري يوضح أن القرار السعودي بتصفيته كان حتمياً وبأي ثمن لمنع الزيارة التاريخية لعدن.

مسرحية “الفتاتين الفرنسيتين”.. نذالة السياسة وسقوط الأخلاق

الوجه الأكثر قذارة وسخرية سوداء في الجريمة، كان محاولة النظام السعودي والقتلة المحليين تشويه الإرث الأخلاقي لإبراهيم الحمدي وشقيقه عبد الله (قائد قوات العمالقة). تذكر الوثائق أن المتآمرين أحضروا جثتي فتاتين فرنسيتين (أغنيس وجاكلين) وتم وضعهما عاريتين بجانب جثث الشهداء لتصويرها كجريمة شرف! المفارقة المضحكة المبكية، أن التحقيقات كشفت لاحقاً أن الفتاتين تم جلبّهما بطائرة خاصة وتصفيتهما فقط لإخراج هذا المشهد المقزز. لقد ظن القتلة أنهم يغطون على الجريمة السياسية الكبرى بفضيحة أخلاقية مدبرة، لكن وعي الشعب اليمني نسف المسرحية، وبقيت السمعة النقية للحمدي، بينما تلطخت وجوه القتلة بالخزي الأبدي.

سريالية الخيانة.. يقاتلون وطنهم لصالح “العدو التاريخي”!

هنا تتبدى السريالية السياسية في أبهى صورها العاهرة؛ الخونة والعملاء اليوم يتسابقون لإصدار البيانات بمناسبة ذكرى ثورة سبتمبر، بينما هم مجرد أرقام تسلسلية في كشوفات الرواتب “المعلومة” للجنة الخاصة السعودية برئاسة الأمير سلطان بن عبد العزيز ومن خلفه آل سعود. كيف يستقيم في منطق العقل أو شرف البندقية أن تدّعي حرصك على “الجمهورية والثورة اليمنية”، بينما أنت ترتزق وتقاتل تحت إمرة ذات النظام الملكي الذي موّل ووجّه طعنات الغدر لجسم النظام الجمهوري لسنوات؟ إنهم يمارسون “التقية السياسية” في أقذر صورها؛ يرفعون شعار الجمهورية بألسنتهم، بينما قلوبهم وبنادقهم معلقة برغبات الملحق العسكري السعودي وميزانية سفارة الرياض.

“أمن البحر الأحمر”.. عندما رفض الحمدي التبعية وحكم الجوار

لم تكن الرياض لتغفر لإبراهيم الحمدي محاولته كسر الحصار البحري الجيوسياسي على اليمن. فقبل اغتياله بأشهر، وتحديداً في فبراير 1977، قاد الحمدي “قمة تعز الرباعية” التي ضمت اليمن الشمالي، اليمن الجنوبي، السودان، والصومال، بهدف جعل البحر الأحمر “بحيرة سلام عربية يمنية أفريقية خالصة” بعيداً عن القوى الدولية والإقليمية. هذا التحرك المستقل كان بمثابة إعلان عصيان يمني صريح ضد الهيمنة السعودية التي كانت ترى في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مساحة نفوذ حصرية لها ولحلفائها الغربيين. الأرقام الجغرافية تؤكد: من يسيطر على باب المندب يسيطر على القرار، والحمدي دفع حياته ثمناً لمعادلة الكرامة البحرية.

التلازم التاريخي.. من قتلة الحمدي إلى طائرات عاصفة العدوان

إن قراءة جدارية الجريمة في ذكراها الـ 49 توضح لنا الحقيقة العارية: الطائرات التي قصفت صنعاء، وصعدة، والحديدة، وتسببت في أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث منذ عام 2015، هي ذاتها العقليات التي اغتالت الحمدي عام 1977. الهدف لم يتغير على مدى نصف قرن: منع قيام دولة يمنية قوية ومستقلة تمتلك قرارها السيادي. الفارق الوحيد أنهم في 1977 استخدموا السكين والغدر والكاتم داخل غرفة مغلقة، بينما في العدوان الأخير استخدموا ترسانة السلاح الغربي بوقاحة وبربرية أمام العالم؛ لأنهم وجدوا أمامهم جيشاً وشعباً وقيادة في صنعاء رفضت أن تُقاد من الملحقية العسكرية السعودية.

دماء شهدائنا لن تذهب سدى.. حان وقت العقاب والحساب

إذا كانت مملكة الرمال وأدواتها قد أفلتت من الحساب طيلة العقود الأربعة الماضية مستغلة تواطؤ الأنظمة العميلة التي تلت عهد الحمدي، فإن يمن اليوم – يمن ال21من سبتمبر – قد مزّق صكوك الغفران ومسح دفاتر التسامح الزائف. إن دماء شهدائنا العظام، من إبراهيم الحمدي وصولاً إلى أصغر طفل استهدفته طائرات العدوان في حيازة بيته، ليست حبراً على ورق السياسة، بل هي وقود لمعادلة الردع الوجودي. لقد حان وقت الحساب الشامل والعقاب القاسي. السعودية التي اعتقدت يوماً أن شراء الذمم واغتيال القادة يضمن لها حديقة خلفية هادئة، تجد نفسها اليوم محاصرة بـ “مسيرات وصواريخ” اليمن السيادي، التي تدك عمقها النفطي والاستراتيجي عند أي حماقة. الحساب لم يعد مؤجلاً في غياهب التاريخ؛ بل يُكتب اليوم بالنار والبارود، وبسواعد رجال الرجال الذين أقسموا ألا تذهب قطرة دم يمنية سدى، وأن يدفع النظام السعودي ثمن تغوله وإجرامه الممتد لعقود.

خاتمة:

لقد ظن نظام آل سعود وأدواتهم من الخونة والعملاء، أنهم بدفن جسد إبراهيم الحمدي في مقبرة الشهداء، قد دفنوا معه تطلعات اليمنيين نحو الحرية والاستقلال والسيادة. ولم يدركوا أن الدماء الذكية لا تجف، بل تتحول إلى بذور تنبت مقاتلين، ومصنعين، وصحفيين، وقادة يحملون ذات المشروع وبأدوات أكثر صلابة وقدرة على الردع والمواجهة. اليوم، يقف اليمن بمحوره المقاوم على أرض صلبة، يصنع مسيراته وصواريخه الباليستية، ويفرض سيادته الكاملة على ذات البحر الذي أراده الحمدي حراً، ليكتب نهاية عصر الوصاية والتبعية السعودية إلى غير رجعة.

 

قد يعجبك ايضا