لوموند الفرنسية: اليمن وجَّه ضربة قاسية للسعودية

معهد بريطاني : قدرات صنعاء الاستراتيجية أفشلت رهانات الوصاية الإقليمية والدولية

الثورة  /

 

في تحوّل دراماتيكي يعيد رسم موازين القوة في المنطقة، أثبتت المكاسب الخاطفة والاستراتيجية التي حققتها اليمن والقوات المسلحة اليمنية على طول ساحل البحر الأحمر وحول مضيق باب المندب، عجز المنظومات الأمنية التقليدية وتحالفات الوصاية الإقليمية والدولية عن مواجهة الفعل اليمني المستقل.

ووثّق تقرير المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني كيف تجاوزت العمليات اليمنية الخطوط الحمراء الإقليمية والدولية، لتضع قادة الرياض وواشنطن والعدو الإسرائيلي أمام معضلات استراتيجية معقدة ورؤى متنافسة لأمن الخليج.

وأوضحت الدكتورة بورجو أوزجيليك في تقرير لها نشره المعهد البريطاني أمس، أنه خلال أيام معدودة، حققت القوات المسلحة اليمنية مكاسب حاسمة بالسيطرة على المخا وذباب والجزر ذات الأهمية الاستراتيجية حول باب المندب، بالتزامن مع توجيه ضربات دقيقة للبنية التحتية الحساسة للطاقة في العمق السعودي، شملت هجمات استهدفت الرياض ومنشأة أرامكو في ينبع، إضافة إلى استهداف خط أنابيب النفط (الشرق-غرب)، حيث تسببت هذه العمليات في فرض معادلة ردع قوية جعلت الأسواق وحركة الملاحة تترقب تداعيات أزمتين بحريتين مترابطتين في أهم الممرات العالمية، ما يعكس فشل الاستثمارات السعودية الكبيرة في تدريب وتطوير القوات الموالية لها.

وأشار التقرير إلى أن إدارة مجرم الحرب دونالد ترامب، وتحت شعار «نقل الأعباء وبناء السلام» و»لا للحروب الأبدية»، رفضت الانجرار إلى حرب واسعة النطاق لوقف التقدم اليمني، مكتفية بتقديم استشارات استخباراتية محدودة وربط الرياض بصفقات تسليح بعيدة المدى كطائرات الـ»إف-35». وقد عبّر دبلوماسيون عن خيبة أمل الرياض جراء هذا التقاعس الأمريكي.

وفي السياق ذاته، فشلت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (الموقعة في 7 أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان) في اختبارها الحقيقي؛ إذ رفضت أنقرة وإسلام آباد والقاهرة التدخل عسكرياً في اليمن خشية الرد الإيراني، واكتفت باكستان بإطلاق تصريحات دبلوماسية تحولت إلى ورقة ضغط سياسي بعد التحذيرات الحازمة التي أطلقتها صنعاء بتوجيه «رد قوي» لأي طرف متدخل.

على الجبهة الخليجية، أظهر التقرير عمق الخلافات والتصدعات بين الرياض وأبوظبي وغياب أي تنسيق ميداني حقيقي لمواجهة التقدم اليمني. وفي موازاة ذلك، كشف التقرير عن مساعٍ صهيونية لتقديم دعم استخباراتي وعملياتي للسعودية بوساطة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، مستفيدة من شبكة العلاقات الاستخباراتية والبنية التحتية للمراقبة في جنوب اليمن (عبر فصائل المجلس الانتقالي الموالية للإمارات). غير أن هذا التقارب المزعوم، بحسب التقرير، يهدف إلى تسويق قدرات العدو الإسرائيلي ودمجها في بنية أمنية إقليمية.

لوموند

وفي سياق ذي صلة، نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية مقالًا افتتاحيًا بارزًا لكاتب افتتاحيات الصحيفة، جيل باريس، سلّط الضوء فيه على التحولات العميقة والخطيرة في المشهد الجيوسياسي للمنطقة.

وقدّم المقال تحليلًا للوضع الاستراتيجي المتأزم على وقع التطورات العسكرية النوعية لليمن في عملية [والله أشد بأسا وأشد تنكيلاً] وما تلتها من تداعيات على المستوى الإقليمي والدولي.

واستهل الكاتب مقاله بالتأكيد على أن اليمنيين نجحوا بفاعلية في إبعاد الولايات المتحدة عن حليفتها الإقليمية الرئيسية، وهي السعودية، لافتًا إلى أنه رغم عدم مشاركة حكومة صنعاء في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي والعشرين من سبتمبر، إلا أن الانتصارات العسكرية للقوات المسلحة اليمنية في الساحل الغربي، وصولاً إلى مضيق باب المندب الذي يتحكم في مدخل البحر الأحمر من جهة المحيط الهندي ـ فرض نفسه بقوة، ليكون حاضرًا في نقاشات واجتماعات المنظمة الأممية في نيويورك.

وأوضح المقال أن الانهيار الكامل للتحشيدات التابعة للعدو السعودي أضاف المزيد من الضغوط على أسعار النفط العالمية، والتي تأتي بالتوازي مع استمرار خنق الممر الاستراتيجي الحيوي الآخر في مضيق هرمز، وهو ما يكشف بوضوح صارخ عن الانقسامات والتشظيات الجديدة في ما يسمى «الشرق الأوسط».

ووصف المقال الواقع الراهن بالمرير والقاسي، مشيرًا إلى أن الفشل الذريع الذي مُني به مجرما الحرب؛ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء كيان العدو بنيامين نتنياهو في مواجهة النظام الإيراني، في أعقاب العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران في 28 فبراير الماضي، قد أعاد بالفعل كل الحسابات الإقليمية إلى موضع الشك والارتياب.

وقال الكاتب إن العمليات العسكرية للقوات المسلحة اليمنية في صنعاء شكلت ضربة إضافية وقاصمة لما يتبين يومًا بعد يوم أنه «بيت هش من ورق»، في إشارة إلى مملكة بن سعود.

وخلص إلى أن الاجتماع الذي عُقد في نيويورك في الثاني والعشرين من سبتمبر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجمع ترامب بدول الخليج المنضوية في مجلس التعاون الخليجي، لا بد أنه قد حمل في طياته طعم الضغائن العميقة والحسابات المضمرة والمخاوف المتبادلة، محذرًا من أن مستقبل هذا «الشرق الأوسط المستقبلي» قد ارتطم للتو بواقع قاسٍ لا تُحمد عقباه.

قد يعجبك ايضا