أوائل الشهداء.. كيف عمّد دم (جدبان، والخيواني، وشرف الدين) نهاية زمن الوصاية؟

محمد عبدالله الخربي

 

لا تبدأ الثورات العظمى من فوهات البنادق، بل تولد أولاً في حدقات العيون الشاخصة نحو شمس الكرامة، وفي أروقة الضمائر الحرة والعقول النزيهة التي ترفض الإذعان لقوى الهيمنة والاستكبار. وحين تضيق خيارات الطغاة، وتتحطم مؤامرات أدوات الوصاية الخارجية أمام صخرة الوعي الشعبي، ويعجزون عن مواجهة الحجة بالحجة والفكر بالفكر، فلا يتبقى لديهم سوى لغة واحدة يفقهونها: لغة الاغتيال والغدر في عتمة الشوارع.

إننا اليوم، ونحن نحيي الذكرى السنوية الثانية عشرة لثورة الحادي والعشرين من سبتمبر المجيدة، نقف أمام تاريخٍ كتبته التضحيات وسطرته دماء قوافل الشهداء العظماء الذين صانوا سيادة اليمن وأنهوا عقوداً من التبعية. وفي هذه المحطة التاريخية الفارقة، نعود بالوعي إلى الجذور لتسليط الضوء على “الرعيل التأسيسي الأول”؛ أولئك المفكرين والرواد الذين مثلوا النموذج الأولي للفداء، واستُهدفوا برصاص المخابرات الآثمة في العاصمة قبل انطلاق الحرب العسكرية الشاملة بصب حممها على اليمن. إن استدعاء أسماء هؤلاء الأوائل تحديداً ليس تفضيلاً لهم على غيرهم، بل هو قراءة واستلهام للبذرة الأولى التي تفجرت منها شلالات العزة، وإضاءة للمنعطف الذي أراد الخصوم عبره إسقاط الثورة في مهدها باغتيال عقولها وصناع فكرها السيادي.

وبثباتٍ أدبي وإنساني فاجع، وتفكيك سياسي وبلاغي، نسلط الضوء على نضالات هؤلاء الرواد الأوائل:

أولاً: الشهيد الدكتور عبدالكريم جدبان.. منبر الفكر وأطروحة المقاومة السياسية:

لم يكن الشهيد العلامة الدكتور عبد الكريم جدبان (1965 – 2013م) مجرد رقم برلماني عابر، بل كان ظاهرة فكرية ومجتمعية جسورة، وحاملاً لشهادة الدكتوراه في أصول الفقه بمرتبة الامتياز من جامعة صنعاء. تجلت مناقبه في انحيازه المطلق لطبقة الفقراء والمستضعفين، فاستخدم منبر مجلس النواب وسيلة لمحاسبة الفساد، وخاض مواجهات علنية كبرى لرفض سياسات التجويع والتبعية والارتهان للسفارات الأجنبية. تميز نضاله بامتلاك أطروحات فكرية تناهض الخطاب الطائفي والتمزيقي، وسعى بقوة لتوحيد الصف الوطني والتحذير من المشاريع الاستعمارية المقنعة. ولأن منطقه البرلماني كان يمثل حائط صد صلب يقض مضاجع أدوات الهيمنة، تربصت به أيادي الغدر في نوفمبر 2013م عقب خروجه من صلاة العشاء بصنعاء، ليرحل بجسده ويبقى صوته البرلماني مدرسة تلهم الأجيال أبجديات الرقابة الثورية والشجاعة السياسية.

ثانياً: الشهيد الدكتور أحمد شرف الدين.. مهندس الدستور الوطني وفارس القانون الدولي:

جسّد البروفيسور الشهيد الدكتور أحمد عبدالرحمن شرف الدين الشموخ الأكاديمي النزيه والوعي الدستوري اليمني المتفرد. تخرج حائزاً على الترتيب الأول في القانون، ونال درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة عين شمس بالقاهرة ليعود ويصبح أول عميد يمني لكلية الشريعة والقانون عام 1987م. لم ينعزل في صومعته الأكاديمية، بل صاغ بفكره ومقالاته الفلسفية أسس بناء “الدولة المدنية العادلة”، وغدا ممثلاً بارزاً لأنصار الله في مؤتمر الحوار الوطني الشامل. تجسد نضاله السياسي الفريد في تفكيك المشاريع الساعية لتفتيت وتقسيم اليمن تحت مسميات الأقاليم المشبوهة، وصاغ بنود السيادة والحرية وقونن حقوق الشعب السيادية. وبسبب دقة وعمق أطروحاته القانونية التي نسفت مساعي التبعية والتقسيم، اغتالته يد الجريمة الاستخباراتية في يناير 2014م بشارع القاهرة في صنعاء وهو في طريقه إلى قاعة الحوار لتقديم الرؤية السياسية والتشريعية الختامية، ليعمد بدمه أطروحة الاستقلال ويؤكد أن القانون لا يُحمى إلا بدم الأحرار.

ثالثاً: الشهيد الأستاذ عبدالكريم الخيواني.. ضمير الصحافة الحرة وأيقونة الشموخ الحقوقي:

يظل الكاتب والمناضل الأستاذ عبد الكريم محمد الخيواني (1965 – 2015م) أيقونة الشموخ اليمني الذي صاغ بالمداد والكلمة ملاحم إسقاط الوصاية. ناضل الخيواني بقلمه في زمن الصمت، وكان من أوائل الأقلام الشجاعة التي فتحت ملفات الفساد الكبرى ورفضت مشروع “توريث الحكم”، وجسد صوتاً حراً كشف وفضح حرب صعدة الظالمة في نسختها الأولى. تعرّض للاعتقال وسياط السجون، واقتحمت العصابات مقر صحيفته، لكنه واجه كل ذلك بصلابة وثبات أسطوري. غدا الخيواني عضواً بمؤتمر الحوار واللجنة الثورية العليا، ونال تعييناً فخرياً كأول سفير يمني للنوايا الحسنة من المجلس الدولي لحقوق الإنسان. ولأن كلماته الجريئة كانت تزلزل منظومات النفوذ والعمالة وتؤطر لافتكار المقاومة الإعلامية، اغتالته رصاصات الإرهاب في مارس 2015م بالقرب من منزله، لتتحول كلمته الحرة إلى ميثاق شرف صحفي تقتدي به الأقلام المقاومة كافة.

رابعاً: ركائز المدامع السياسية.. الثناء على قادة الصف الأول ورجال الدولة:

إن هذا المقال لا يستحضر الرواد الأوائل ليفصلهم عن قافلة القيادة الشامخة التي أدارت شؤون البلاد في أحلك ظروف المواجهة والحصار. بل نقف هنا بوعيٍ وإجلال لنثني على كل شهداء القيادة السياسية والتنفيذية الذين قدموا النموذج الأسمى في التضحية؛ وعلى رأسهم الرئيس الشهيد صالح الصماد- رئيس المجلس السياسي الأعلى، الذي افتدى الوطن بنفسه وجسد بدمائه في الحديدة زعامة الاستقلال وحرية القرار، والشهيد الأستاذ أحمد غالب ناصر الرهوي، رئيس مجلس الوزراء، ورفاقهما الميامين من الوزراء، كالأستاذ حسن زيد- وزير الشباب والرياضة، والأستاذ هاشم شرف الدين- وزير الإعلام، واللواء محمد الغماري وقادة مجالس النواب والشورى والأمن. هؤلاء العظماء أثبتوا بنضالهم ومسؤوليتهم الرفيعة أن قادة ثورة 21 سبتمبر ليسوا طلاب مناصب بل هم فدائيون يتقدمون صفوف المستهدفين لضمان بقاء نبض الدولة وعدم انهيار مؤسساتها.

خامساً: عموم الشهداء في معارك الشرف.. حراس الأرض والسيادة المقدسة:

وإذا كانت العقول السياسية والأكاديمية قد رسمت معالم الطريق، فإن الثناء الأعظم والخلود الأبدي ينحني إجلالاً لعموم الشهداء الأبرار في جبهات العزة وميادين الشرف والبطولة؛ أولئك الحراس الحقيقيين للأرض والسيادة. من قمم جبال مران ونقيل فرضة نهم، إلى رمال تهامة وجبهات الحدود الساخنة، سطر أبطال الجيش واللجان الشعبية وأبناء القبائل الأحرار ملاحم أسطورية غيرت مجرى التاريخ العسكري الحديث. هؤلاء الشهداء العظماء—من قادة الجبهات الميدانيين إلى الجنود الحفاة الأباة—تركوا بيوتهم ورفاهية العيش واختاروا خنادق الصمود والكرامة؛ فواجهوا أحدث الترسانات العسكرية العالمية بصدورٍ عارية إلا من الإيمان واليقين بقدسية قضيتهم. إن تضحيات عموم الشهداء هي التي صانت العِرض، وحمت العاصمة، وأعادت لليمن هيبته السيادية، وحولته من بلدٍ خاضع للوصاية إلى قوةٍ إقليمية يحسب لها الطغاة ألف حساب.

سادساً: حتمية التاريخ.. النصر قادم لا محالة بفضل دماء شهدائنا العظماء

في القاموس السننّي والتاريخي، لا يمكن لدماءٍ سكبها الأنبياء والعلماء والقادة والرؤساء والجنود الأحرار أن تذهب سدى أو تضيع في مهب الريح. إن النصر اليمني القادم ليس مجرد أمنية عاطفية، بل هو حتمية تاريخية صاغتها تفاصيل هذه التضحيات الكبرى. إن كل قطرة دم سقطت على ثرى هذا الوطن تحولت إلى ركيزةٍ صلبة في بنيان الاستقلال، وبذرة مباركة تُنبت وعياً جارفاً يرفض الاستعمار والتبعية. بفضل دماء الصماد والرهوي وجدبان والخيواني وشرف الدين وعموم الشهداء في الثغور، امتلك اليمن قراره الوطني المستقل. هذا الدم الطاهر هو الذي يمنح الوفود السياسية قوتها في المفاوضات، ويمنح الصواريخ والمسيرات دقتها في الميدان، ويؤكد للعالم أجمع أن يمن الحادي والعشرين من سبتمبر قد غادر مربع الضعف والصمت إلى الأبد، وأن فجر الحرية قد بزغ ولن يجرؤ أحد على إطفائه.

الخاتمة:

إن الوفاء لأوائل الشهداء، ولقادتنا العظام، ولأبطالنا الأبرار المستبسلين في جبهات العزة، لا يكمن في مرثيات تُدبّج على عجل، ولا في دموعٍ تُسكب على منبر الذكرى، بل هو عهدٌ غليظ وميثاقُ دمٍ يُقبض فيه على جمر المبدأ بكلتا اليدين. إن هذه الدماء الزكية التي روت تراب اليمن لم تَسِل لتكون مادةً للمساومة على طاولات الساسة، أو ثغرةً للتراجع والانكفاء عن انتزاع الاستقلال الكامل، بل أُريقت لتشطب من قاموس اليمنيين إلى الأبد مصطلحات “التبعية والوصاية والارتهان”، ولتنزع الغطاء وتفضح زيف أدعياء الإنسانية والقوانين الدولية التي سقطت وسال حبرها الميت بمجرد أن تحركت خفافيش الاغتيال والعدوان لتصفية عقول يمنية طاهرة لم يكن جرمها سوى الصدح بالحق ومطالبة الكرامة لهذا الشعب العظيم.

إن القلم الذي يرتعش في يد صاحبه اليوم خيانةٌ لمداد الخيواني، والوعي السياسي الذي يقبل بالحلول الهشة خيانةٌ لفقه شرف الدين الدستوري، والتراجع في ميادين المواجهة والتفتيش عن الأعذار خيانةٌ لصوت جدبان الهادر وجماجم الأبطال الحفاة في خنادق العزة والتمكين. من هنا، من قلب العاصمة الصامدة صنعاء، وأمام هذا السفر الأسطوري من القرابين العظمى، نعلن للعالم بأكمله في عيد ثورتنا الثاني عشر: إن يمن الحادي والعشرين من سبتمبر قد عبر جسر العودة تماماً، وصار عصياً على الكسر والابتلاع والاحتواء. دماء قادتنا وشهدائنا هي الروح السارية في مفاصل هذه الدولة، وهي الصاعق الذي يفجر كبرياء المعتدين ويقض مضاجع أدواتهم. وبها وبثبات قبائلنا وجيشنا ورجال حرفنا المقاومين، سنواصل المسير حتى يركع الطغاة تحت أقدام السيادة اليمنية، أو نلتحق بقوافل هؤلاء العظماء، شهداء فوق تراب هذا الوطن العزيز، شامخين كجباله، أحراراً كما ولدتنا أمهاتنا.

سلامٌ على الأجساد الطاهرة التي سقطت لتثمر يمناً أبياً مستقلاً، وسلامٌ على عقول ورؤساء وقادة غادرونا أجساداً وبقوا في ثنايا الوجود منارات تدك دياجير الظلام وتصنع فجر الانتصار. والعاقبة للمتقين.

 

 

 

قد يعجبك ايضا