مـن 14 أكتوبر إلـى مـعـركـة الـسـيادة.. جينات الثورة لا تموت

لقمان عبـدالغني الأحمــــدي

مِـــــنْ ذُرى «ردفـــان» الصامـدة، حيث انقدحت شـرارة الرابع عشـــر من أكتوبر عام 1963م برصاصـة الشهيـد راجح بن غالب لبـوزة، إلى مياديـن المواجهـة الحاضـرة في معركة العِـزّة والكرامـة؛ يتجــدد في الوجـــدان اليمنــي يقينٌ تاريخي راســخ لا يتزعـزع: إن هذه الأرض الطاهــرة لم تكـن يوماً مستقراً لغازٍ، ولا حديقــةً خلفيـة تُدار بأصابع الوصايـة أو تُرتهـــن لمشاريـع التبعيـــة، بل ظلت على الدوام مقبـرةً مفتوحـة لكل من سوّلت لهُ نفســـه استباحـــة ترابهـا وطمـــس كرامتهـــا.

ولـَـقـَـــــدْ توهمت الإمبراطورية البريطانيــة، وهي في أوج عنجهيتهـا العسكرية وترسانتهـا الاستعماريـة، أن بوسعهـا تطويع الإنسـان اليمني وتحويـل ثغوره وممراتـه المائيـة الحاكمـة إلى قواعـد أبدية لنفوذها، متكئـةً على شِـــراء الذمـم وزرع الشقاق واصطناع الكيانات الهزيلة لتمزيق الجسـد الواحـد، غيـر أن بنـادق الثـوار الأحـرار كبّلت تلك الأطمـاع وأسقطت هيبـة التاج في رمال اليمـــن وقمم جبالهـــا.
والـيـَـــوْمَ يعيـد التاريـخ تمثيل المشهـد ذاته بأقنعـة إقليميـة مستحدثة؛ حيث تقف قُوى العـدوان وفي طليعتها النظام السعودي المجـرم، محاولةً بائسةً استنساخ أساليب الهيمنـة القديمة عبر سلاح المال المُدنـس، وحشد قطعان المرتزقة والعُمـلاء الخونة الذين ارتضـوا التسكـع في فنـادق الرياض وباعـوا شـرف الانتماء ليتحوّلوا إلى خناجـر مأجـورة تطعـن وطنهـم لحساب المعتـدي، متناسيـن أن من يُفـرط بسيادة أرضـه يفقد وزنه وتاريخه وشرفـــه.
وهـَـكـَـــــذَا تتجلى الحقيقـة ناصعـةً بأن الارتبـاط بيـن ملحمـة الأمـس ومعركة الحاضـر ليس مجرد استعـارة أدبيـة، بل هو امتـداد طبيعي لخط المقاومـة الأصيـل؛ فالعـدوان الذي يستهدف اليمن اليوم بالحصـار والتجويـع ويسعى لاحتـلال موانئـه وجـزره الاستراتيجيـة ومصادرة قراره الوطنـي المستقل، لا يختلف في جوهره الاستعلائي عن طائرات المستعمـر التي كانت تحـرق قُرى الأحـرار بالقنابل، وأولئـك الخونة المحتشـدون تحت الراية السعودية ليسوا سـوى صدى خائب لعمـلاء الأمـس الذين لفظهم الشعب إلى مزابل التاريـــخ.
فـَـــــإِنَّ الشعوب الأبيـة التي تعمّد حريتهـا بالدم الزاكي لا تسـاوم على مستقبلها في أسـواق النفـوذ والارتهـان، والجبـال التي أذلت إمبراطورية الأمـس لن تليـن قيــد أنملة أمـام ترسانات السـلاح المدفـــوع ومؤامـرات المشيخـات؛ إذ تلتحـم دماء شُهـداء أكتوبر اليـوم مع تضحيـات أبطال الميـدان لتفرض معادلة سياديـة ناجـزة: لا بقاء لمحتـل، ولا وصاية على حـر، ولا شرعيـة لخائــن، وإن فجــر الاستقلال الذي طــرد آخر جنـدي مستعمــر في الثلاثيــن من نوفمبـــر، هو ذاته النــور الذي يتخلق اليـوم من صلب الصمـــود، معلنـاً أن اليمـــن كان وسيبقى مقبـرةً للغـزاة ومـوئلاً للشمـــوخ.
عاش اليمــــن حـراً كريمـاً مستقـلاً..

قد يعجبك ايضا