محمد بن فريد العولقي في ذمة الله

أ. د عبدالعزيز صالح بن حبتور*

غادر هذه الدنيا الفانية العابرة / معالي الشيخ / محمد بن فريد اليسْلمي بن دحه العولقي ( 1929 ـــ 2026 م ) وزير خارجية دولة اتحاد الجنوب العربي في عدن في زمن الاستعمار البريطاني عن عمر ناهز 97 عاما، غادرها بسلام آمن خارج مدينته الصعيد، ومحافظته شبوه، ووطنه الجمهورية اليمنية، غادرها كما غادر أصدقاءه، وخصومه، وأعداءه ممن ناصبوه العداء ذات يوم، وأجبروه على الرحيل مكرها خارج بلده اليمن العظيم.

هكذا هو مصير معظم السياسيين اليمنيين الذين يمارسون السياسة فترة من الزمان ، وبعدها يتم إجبارهم على المغادرة، إما بواسطة الطرد، وإما الضغط، والإكراه؛ ليختار المغادرة الطوعية، أو القسرية، ويمضي بقية حياته، وعمره خارج وطنه، وأهله، وقبيلته، وبعيدا عن مواطنيه مشردا مطرودا مبعدا ، هكذا هو المنطق الفلسفي التعسفي السائد للأسف لمعظم السياسيين اليمنيين في اليمن السعيد ممنْ عملوا في حقل السياسة، والقيادة.

غادر معالي الشيخ الفقيْد/ محمد بن فريد العولقي أراضي مستعمرة عدن، ومشيخة أسرته في صعيد “يشبم” العولقية قبيل مغادرة المستر / همفري ترفليان آخر مندوب سام بريطاني في جنوب الوطن اليمني بأيام، وربما بأسابيع فحسب ، غادرها بطيب خاطر؛ لأن المتوقع من الحكام القادمين الجدد منْ طلائع التنظيم السياسي للجبهة القومية سيحكمون عدن، وبقية إرث السلطنات، والإمارات والمشيخات الجنوبية ، سيحكمونها بالحديد والنار ، وهذا ما حدث تماما ، إذْ أعلنوها منذ اليوم الأول لتقلدهم مقاليد السلطة بأنهم لنْ يتهاونوا، ولنْ يهادنوا بقايا الاستعمار البريطاني البغيض ، ولا ركائزهم،  ولا عملاءهم، ولا أعوانهم وهذا ما حدث فعلا في واقع الحال يومذاك ، فقدْ نصبوا لخصوم الحكام الجدد  المشانق والمحاكمات الصورية المستعجلة، كمحاكم الشعب الشهيرة المنعقدة في مدينة الاتحاد بعدن والتي أصبحتْ مدينة الشعب فيما بعد.

بطبيعة الحال غادر معالي الشيخ / الفقيْد/ محمد بن فريد – رحمه الله وأسكنه الجنة – وطنه، وأهله، وأبناء عمومته، وقبائله، ومحبيه مع جميع الشخصيات، والكفاءات، والكادر البيروقراطي العامل في أجهزة الدولة الأجنبية البريطانية ، وغادرها كذلك معظم طبقة السياسيين، والمثقفين، والمهنيين، والبيروقراطيين الذين عملوا، وخدموا مؤسسات الدولة الخاضعة للمحتل البريطاني؛ كي يتجنبوا ويلات الانتقام، وردود الفعل من قبل طبقة السياسيين الجدد القادمين من أرياف اليمن وقراه البعيدة والقريبة.

وعاش الفقيْد متنقلا بين موانئ ومطارات، ومدن العالم ليمضي ما تبقى منْ عمره، وحياته المدونة في سيرته العطرة خارج الوطن اليمني ، بعيدا عنْ أهله، وأسرته ، لا بلْ مطرود، ومبعد خارج حدود بلاده، ومنطقته، ومدينته ، تلك الحياة التي منحها، و خصصها الله جل في علاه له، ولأسرته الكريمة إلى يوم لقاء ربه في يوم الإثنين الموافق  5 أكتوبر 2026م.

هذا نموذج، ومثال واحد منْ سيرة رجل وطني عروبي يمني أصيل أمضى جل حياته في العمل السياسي والدبلوماسي والإداري؛ كي يخدم وطنه وشعبه منْ وجهة نظره الشخصية، ومنْ وحي اقتناعاته، وفكره السياسي يومذاك.

لكنه عاد إلى وطنه الأم اليمن فرحا ، مستبشرا، وسعيدا بعودته بعد تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في 22  مايو 1990م، وبالذات بعد تثبيت أركان الوحدة، وبنيانها في يوليو 1994م ، وأتذكر، ويتذكر معي عدد من الزملاء، والأصدقاء، والرفاق في مدينة عدن حينما استقبلناه بمحبة واعتزاز وافتخار ، حيث نظم له استقبال رفيع، ومحترم منْ قبل أبناء عدن، وأبناء م/ شبوة القاطنين مدينة عدن، استقبال يليق بمكانته الإنسانية، والسياسية، والقبلية، وكان ذلك الاستقبال في قاعة واسعة في جزيرة العمال في خور مكْسر ، وأتذكر بأني أنا شخصيا كلفت منْ قبل الحاضرين بأنْ ألقي كلمة الترحيب  به، وبأسرته الكريمة المرافقة له، كلمة تليق به كشخصية دبلوماسية، وإدارية وسياسية مميزة، وكبيرة تعود إلى الوطن وإلى عدن بالتحديد بعد عقود مضنية سوداء منْ مغادرتها قسرا.

امتازتْ شخصية معالي الوزير / محمد بن فريد – رحمة الله عليه – بالعديد من الصفات، والمزايا النوعية ، فهو شخصية جادة، ومثقفة جدا على الصعيد الدبلوماسي والإداري والقبلي ، وكان قدْ ألقى عددا من الخطابات السياسية السنويةالمهمة منْ على منبر الأمم المتحدة في نيويورك في مطلع ستينيات القرن العشرين يشرح فيها وجهة نظر بلاده، وحكومته في ذاك الزمان ، كما شغل قبل ذلك منصب وزير المالية في حكومة اتحاد الجنوب العربي، وكانتْ إنجازاته الإدارية – كما تشير التقارير الموثقة – بأنه قدْ تركْ بصمات جادة وإيجابية في الجانب الإداري والمالي لحكومة عدن يومذاك.

كانتْ شخصيته، وحضوره الإنساني الاجتماعي، والقبلي وازنا جدا ، فقد اكتسبتْ ثقافة وعمقا في التفكير السياسي المستند إلى تأهيله، وتدريبه وتواصله مع عالمه الخارجي قدْ أكسبته ثقافة عصرية واسعة مستندة إلى إرثه، وتراثه القبلي العائلي الرفيع في منطقة العوالق ذات التاريخ الاجتماعي، والديني، والإنساني، والتنافسي الجاد.

وبرحيل معالي الوزير الشيخ / محمد بن فريد قدْ خسر أهله وذووه شخصية مهمة مؤثرة في الحياة العائلية ، وخسرتْ محافظة شبوة واحدا منْ أهم رجالات السياسة، والفكر فيها ، وخسر اليمن الكبير العظيم شخصية دبلوماسية إدارية بيروقراطية قيادية محترمة..نسأل الله العلي القدير لأسرته الكريمة التوفيق في كتابة وتوثيق سيرته السياسية، والدبلوماسية، والإدارية، والقيادية، والقبلية العطرة، وجمع كتاباته، ومواقفه السياسية، وأفكاره القبلية النيرة .. بسم الله الرحمن الرحيم:

((يا أيتها النفْس الْمطْمئنة ارْجعي إلى ربك راضية مرْضية فادْخلي في عبادي وادْخلي جنتي)) · صدق الله العظيم.

“وفوْق كل ذي علْم عليْم”

 

*عضو المجلس السياسي الأعلى

نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام

 

 

 

قد يعجبك ايضا