لعلهم يتفكرون

عبدالإله عبدالقادر الجنيد

عجبًا لك! أَبعد أن ثرنا وإيّاك لتحرير يمن الحكمة والإيمان من الوصاية والارتهان، بثورة شعبية لا شرقية ولا غربية، أكرمنا الله بتأييده ونصره، وشدّ أزرنا بالقادة الأعلام؛ بيد أنك كرهت انتصارنا فولّيتَ الإدبار، وإلى معسكر التصهين لُذت بالفرار.
وهنالك أشهرت سيف حقدك وغرورك على إخوتك الثوار، وهرعت تقاتلنا تحت راية البهتان والضلال.
ليظل بلدنا ضعيفًا ممزّقًا عاجزًا عن كسر الحصار، غارقًا في مستنقع الفتن الطائفية والأوهام المذهبية، ومرتهنًا لمحور الأشرار؟!
فبأي ذنب ناصبت أبناء شعبك العداء؟
ألأنّ أبناء شعبك قرروا استعادة سيادتهم، وكسر الحصار المفروض عليهم لاستنقاذ شعبهم من الإبادة المتعمدة بالتجويع والإفقار، وطرد المحتل من بلدهم، أثارَ غضبَك على الأحرار؟
ويحك! لكأنك استمرأت الخضوع والاستسلام، وطاب لك العيش تحت الأقدام.
أما زلت بعد اثني عشر عامًا من العدوان الصهيو-سعو-أمريكي الإجرامي الظالم، والحصار المطبق على بلدنا، وانتهاك سيادتنا، ونهب ثرواتنا، تصرّ على نصرة الباطل؟ ثم لا تستنكف أن تدعوه لارتكاب أبشع المجازر، وله تساند وتؤازر، وفي صفّه تقاتل!
فما بالك أرخصت له نفسك، وفديته بروحك، وأنت تعلم أنه عدو سافر، وبهذا الجرم الفاحش أصبحت تباهي وتجاهر؟
أولم تعلم أنه عدونا جميعًا؟ لا يريد أن يرى اليمن حرًّا مستقلًّا، سيدًا عزيزًا كريمًا أبيًّا، ينتصر لقضايا الأمة، ويقف إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم، ويساند المستضعفين.
ألا تراه يعمل ليلًا ونهارًا ليُبقي اليمن بلدًا ضعيفًا ممزّقًا تابعًا، وشعبه ذليلًا مرتهنًا، يتحكم فيه كما يحلو لهذا العدو الجائر؟
فلقد تكشفت الحقائق، وتبيّن المنافق من الصادق، وكُشف المستور أنّ العدو السعودي ليس إلا خط الدفاع الأول عن الكيان المذعور.
إن هذا ما دلّت عليه الدلائل، وبيّنته المشاهد، ويؤكده الواقع، فأضحى حجةً قائمة لمن لم يزل لعدوه تابعًا.
فلعلك لا تدري أن العدو السعودي ليس إلا كيانًا وظيفيًّا مهمته خدمة الغدة السرطانية العبرية، وتمويل مشاريعها التوسعية على الأراضي العربية، وتنفيذ أجندتها الاستعمارية.
ومما لا شك فيه أن الموقع الجيوسياسي ليمن الحكمة والإيمان يكتسب أهميته من تحكّمه بمضيق باب المندب، بوابة العالم الذي تمر عبره ثلث تجارة العالم؛
إذ كان ولم يزل محلًّا للأطماع الصهيو-أمريكية للسيطرة والهيمنة على هذا الممر المائي العالمي الاستراتيجي، سيّما بعد ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر الشعبية.
وبينما يعبر الصهيوني عن مدى قلقه البالغ من تطور القدرات الصاروخية والدفاعية اليمنية، فقد مثّل الانتصار الإلهي لأنصار الله في الساحل الغربي مؤخرًا، والانهيارات الدراماتيكية المتسارعة للتحشيدات السعودية، صفعة قوية وهزيمة مدوية أصابت الكيان الغاصب بالهلع والذعر والجنون.
ذلك أن مشروع الهيمنة على المضيق ظل حلمًا يراوده منذ اغتصابه لفلسطين في أربعينيات القرن الماضي، ويرى أنه لا يمكن تحقيقه إلا من خلال السيطرة على الساحل الغربي عبر وكيله السعودي وأدوات محلية.
ومن أجل ذلك يسعى العدو السعودي ومن ورائه الصهيوني والأمريكي والبريطاني إلى فصل تعز اليمنية المهيمن موقعها على باب المندب، وتقسيمها إلى منطقتين غربية وشرقية؛
تمتد الأولى من المخا إلى باب المندب، يتم تفريغها من سكانها تدريجيًّا لإنشاء القواعد العسكرية والمطارات السرية، فيتسنّى له إحكام السيطرة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي وجزيرة العرب، فلا يتمكن أنصار الله من معاودة حصارٍ مجددٍ لإسناد حركات المقاومة سيّما الفلسطينية.
أما بالنسبة للمنطقة الشرقية، فيتم استجلاب أدواتهم من أصقاع العالم كفعلهم في سوريا؛ وتحويلها إلى محرقة لليمنيين يتقاتلون فيها، فينشغلون عن قضايا الأمة وما يُراد ببلدهم بالصراعات الداخلية والفتن المذهبية.
إن المشاهد التي بثها الإعلام الحربي للقوات المسلحة اليمنية لخير شاهد ودليل، تفضح طبيعة مهمة أدوات العدوان “حراس الجمهورية، أو بالأحرى حراس الصهيونية”، منذ سنوات، أنهم ليسوا إلا بيادق يتغطى بهم ويتوارى خلفهم لتبرير تواجده وإنشاء القواعد في المخا وذباب.
بيد أن تحرك القوات المسلحة اليمنية وتحرير الساحل الغربي وباب المندب وطرد أدوات العدوان جاء في الوقت المناسب، ومثّل ضربة قاصمة أفشلت هذا المخطط الخبيث.
إن تهاوي المشروع الصهيوني في الساحل الغربي أفزع الكيان الغاصب، فأقبل على إثره رئيس حكومتة يجرّ أذيال خيبته إلى أبوظبي صارخًا في وجوه السعودي والقطري والإماراتي: «لملموا شتاتَ أدواتكم، ووحّدوا صفوفَهم، وادفعوا بهم إلى جبهة تعز والساحل الغربي، لإحكام السيطرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ولا تدعوا لأنصار الله هناك موطئَ قدمٍ؛ فالخطر على إسرائيل داهم».
واليوم بات اليمنيون وفي مقدمتهم أبناء تعز بين خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة اليمنية لمواجهة هذا المخطط الكبير والمستنقع الخطير الخبيث، ودحر التحشيدات السعودية التي تعيث في اليمن فسادًا؛ أو الاستسلام لا قدر الله، الذي سيكلف أبناء تعز الأحرار الشرفاء الأثمان الباهظة لقاء صمتهم عما يخطط لمحافظتهم.
إن أحرار تعز وعقلاءها باتوا ومن موقع المسؤولية الدينية والوطنية والأخلاقية يدركون أهمية الاصطفاف الوطني درءًا للعواقب الوخيمة والخطيرة؛ إذا ما صمتوا فالصامتون والمتخاذلون هم أول الضحايا والفريسة السهلة للمعتدين.
كما أن الحراك التعزي الشعبي لشرفاء تعز وانحيازهم واصطفافهم مع القوات المسلحة اليمنية يؤكد أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي اتجاه ذلك، والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، وستشهد هبة إيمانية جهادية شعبية تعزية منقطع النظير لتطهير محافظتهم من الأيادي العابثة.
فيا أيها المغرَّر بهم، ألم يأن لكم أن تستفيقوا من غفلتكم، وتستجيبوا لداعي الحق، وتعودوا عن غيّكم، وتستغفروا ربكم، وتقفوا جنبًا إلى جنب مع إخوانكم المجاهدين الصادقين، حماة الأرض والعرض والدين، لاستعادة الكرامة والسيادة والثروات المنهوبة، وتحرير الأرض من المحتلين؛ فلا نخنع ولا نخضع ولا نركع إلا لله رب العالمين.
فوربِّ المشارق والمغارب، ما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من وليٍّ ولا نصير. واعلموا أننا ما دعوناكم إلى وحدة الصف والعودة إلى الحق من موقع ضعف؛ فهذه دعوة لا يصدرها إلا الشجعان الأقوياء، فمن توكل على الله واستمد عونه ونصره منه فهو الغالب.
أفمن كان على بينة من ربه حاملا همّ القضية كمن أصبح للعدوان مطية؟
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم، ولا عدوان إلا على الظالمين.
والحمد لله رب العالمين.

قد يعجبك ايضا