تجاوز اليمن خلال المرحلة الراهنة أوهام الوصاية الإقليمية والدولية والتهديدات التقليدية، ليفرض نفسه قوة فاعلة وقادرة على إعادة رسم قواعد الاشتباك وتثبيت معادلات الردع في المنطقة.
عودة العدو السعودي لارتكاب الجرائم والانتهاكات بعد 12 عامًا من حربه على اليمن، تنمّ عن انفصال تام عن الواقع الجيوسياسي الجديد، وعدم إدراك للتحولات التكنولوجية والعسكرية التي فرضت معادلات ردع جديدة تصيب العمق الحيوي للرياض في مقتل.
جرائم استهداف الأعيان والمنشآت المدنية في اليمن، بما فيها جريمة الإصلاحية المركزية بمدينة الحزم في محافظة الجوف، تأتي امتدادًا للسجل الأسود للعدو السعودي منذ مجزرة تنومة عام 1923م مرورًا بتدخلاته وجرائمه عام 2015م باستهداف قاعات الأعراس والعزاء إلى مجزرة حافلة أطفال ضحيان، في سلوك عدائي يعكس حالة العجز الميداني والتخبط السياسي ومحاولة التعويض عن الفشل العسكري بالتعدي على المدنيين.
لم يستوعب حكام نجد والحجاز بعد أن اليمن اليوم غير يمن الأمس، وأن مفهوم “الحديقة الخلفية” سقط إلى غير رجعة أمام إرادة وطنية مستقلة ومركز قوة سياسي وعسكري صلب لا يخضع للإملاءات، بالتوازي مع قفزة تقنية وتكنولوجية غير مسبوقة باتت تمتلكها القوات المسلحة اليمنية برًا وبحرًا وجوًا عبر منظومات متطورة من الطيران المسير والصواريخ الباليستية والمجنحة والأسلحة البحرية الدفاعية والهجومية.
ولعل إسقاط الطائرات التجسسية للعدو الأمريكي والإسرائيلي والسعودي، خلال الفترات الماضية، تأكيدًا على القفزة النوعية في منظومات الدفاع الجوي، والتي جرّدت التحالف من ميزة التفوق الجوي وجعلت أجواء اليمن محرمة على أساطيله التجسسية والمقاتلة.
إن التحول الكاسح في موازين القوى يُقوّض المخططات الاقتصادية للرياض، وفي مقدمتها “رؤية 2030” التي تتطلب بيئة أمنية مستقرة وجاذبة للاستثمارات، حيث تؤدي المفاجآت العسكرية اليمنية والقدرة على ضرب الشرايين الاقتصادية والمنشآت النفطية والمطارات إلى زعزعة ثقة الأسواق العالمية واستنزاف الموارد السعودية وإصابة النظام في مقتل.
استمرار تدخل العدو السعودي في الشؤون اليمنية يمثّل استمرارًا لسياسات ارتهان الماضي وأوهام السيطرة التي تجاوزها الزمن، فصنعاء اليوم تُدير قرارها السيادي بإرادة مستقّلة ومُعززة بقوة ردع قادرة على زجر أي محاولة للوصاية، ومواجهة كل أشكال المخططات والمؤامرات العدائية بحزم واقتدار.
لن يكون أمام نظام الرياض إزاء هذا العناد الاستراتيجي سوى الاستيعاب الحتمي للدرس أو تحمّل الكلفة الباهظة، إذ أن استمرار ارتكاب المجازر لن يجلب للعدو أمنًا ولا استقرارًا، بل سيسرّع من تهاوي مشاريعه الاقتصادية ويضعه أمام مفاجآت يمنية أشمل وأشد إيلامًا.
إن عمليات الاستهداف الدقيقة التي طالت اليوم المنشآت الاقتصادية والحيوية في أبها ونجران والمدينة الاقتصادية وأرامكو جيزان، وقاعدة خميس مشيط الجوية، تؤكد تحوّل التحذيرات السياسية والعسكرية إلى واقع ميداني ضاغط، وترسل رسالة جليّة مفادها أن الاستمرار في التصعيد وتجاوز الخطوط الحمراء سيبقي الشرايين الاقتصادية للعدو تحت المرمى والمباشرة.
لن يجد النظام السعودي مخرجًا من الكلفة الباهظة إلا بإنهاء عدوانه ورفع حصاره والكف عن التدخل في الشأن اليمني؛ فالقدرات العسكرية لصنعاء باتت قادرة على تعطيل المشاريع الاقتصادية وإصابة العمق الاستراتيجي السعودي وشل مقدراته، لتظل كل خيارات الردع مفتوحة ومسارات المفاجآت القادمة أعمق أثرًا وأشد تدميرًا لركائز طموحاته الاقتصادية.
