فـي عالـم السياسـة المتقلـب ، وتحـت سماء مثقلـة بغيوم الصراعات والأطماع ، تبرز حقيقـة ثابتـة كجبال اليمـن العتيدة ؛ إن “الشرعيـة” الحقيقيـة لأي سلطـة أو كيان لـا تمنـح بحبـر القرارات الأمميـة الباردة ، ولـا تشترى ببريـق أموال النفـط والغاز.
كمـا أنهـا لـا تفرض بفوهات البنادق المستوردة مـن وراء الحدود . الشرعيـة ، فـي جوهرهـا الأصيـل ، نبـض يولـد مـن رحـم المعاناة ، وتستمـد حصرا مـن التصاق المسؤول بتراب وطنـه ، وتماهيـه العميـق مـع أنيـن شعبـه وتطلعاتـه .
وحيـن تنفصـل القيادات عـن جذورهـا ، وترهـن قرارهـا السيادي لمشيئـة العواصـم الخارجيـة ، تتحول تلـك الشرعيـة المزعومـة إلـى مجرد سراب يحسـب ماء ، ولـا يورث أصحابـه سوى الخيبـة والارتهان وفقدان البوصلـة .
لقـد أثبتـت السنوات العجاف التـي عصفـت باليمـن أن أولئـك الذيـن استبدلوا خيمـة الوطـن بقصور الغربـة ، وباعوا سيادة بلادهـم فـي مزادات السياسـة الإقليميـة والدوليـة ، لـم يجنوا سوى العزلـة والارتهان . إن مـن يرتضـي لنفسـه أن يكون أداة فـي يـد الأجنبـي ، يستنزف كبيدق علـى رقعـة شطرنـج لـا يملـك فيهـا حـق تحريـك نفسـه ، وسرعان مـا يرمـى خارج الرقعـة متـى مـا انتهـت صلاحيتـه وتقاطعـت مصالـح مموليـه .
هؤلاء السماسرة الذيـن تاجروا بدم المواطـن اليمنـي وقوتـه ، وتدثروا بعباءة التدخـل الخارجـي لتبريـر عجزهـم ، تناسوا عـن جهـل أو تجاهـل أن التاريـخ لـا يرحـم ، وأن الخيانـة لـا تبنـي مجدا ، بـل تشيـد مقابـر أخلاقيـة وسياسيـة لـا قعـر لهـا ، تسقـط فيهـا كـل الأقنعـة عنـد أول اختبار حقيقـي للسيادة .
ولنـا فـي صفحات التاريـخ اليمنـي الطويـل والعنيـد خيـر شاهـد ودليـل ، فهذه الأرض التـي قـد تبدو منهكـة اليوم بفعـل تكالـب الأعداء وتآمـر الأبناء ، لطالمـا كانـت فخـا ابتلـع الغزاة علـى مـر العصور ، ومقبرة سحقـت بأقدام أبنائهـا الحفاة تيجان أعتـى الإمبراطوريات . اليمـن ليـس مجرد جغرافيـا عابرة يمكـن تقاسمهـا أو إعادة رسمهـا وفقـا لمصالـح الطامعيـن ، بـل هـو روح متجذرة فـي عمـق الزمـن ، يمرض ولكنـه لـا يموت ، وينحنـي للعاصفـة لكنـه ينهـض مـن تحـت الركام أشـد صلابـة .
إن هذا الصمود الأسطوري لشعـب يكافـح مـن أجـل كسرة خبـز مغموسـة بالكرامـة ، ويرفـض الركوع رغـم سياسات التجويـع الممنهجـة ، هـو الرد العملـي الأقوى علـى كـل مشاريـع التمزيـق والوصايـة .
فـي خضـم هذا المعترك ، يتعاظـم واجـب الكلمـة الحرة ، ليصبـح القلـم سيفـا مسلطـا يقطـع حبال الزيـف ، ويفضـح تجار الحروب ومقاوليـن الأوطان . إن الأمانـة التاريخيـة تقتضـي منـا أن نذكـر الجميـع ، بلـا مواربـة ، بأن سوء الخاتمـة السياسيـة والأخلاقيـة هـو المصيـر المحتوم لكـل مـن خان وباع وتآمـر علـى تراب هذا البلـد .
لـن تكون نهايـة سماسرة اليوم بأفضـل مـن خاتمـة مـن سبقوهـم مـن بائعـي الأوطان ، فمهمـا طال ليـل التآمـر ، ستلفـظ هذه الأرض كـل نبتـة خبيثـة لـا تنتمـي إليهـا . فـي النهايـة ، لـا يصـح إلـا الصحيـح ، ولـا يخلـد فـي ذاكرة الأمـة إلـا مـن صان عرضهـا وحفـظ كرامتهـا ، أمـا الزبـد فيذهـب جفاء ، وتطويـه صفحات النسيان غيـر مأسوف عليـه .
Next Post
