من ثورة سبتمبر 21 إلى دورة 81

د/عبد الرحمن المختار

يخاطب الشعب اليمني في ذكرى ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، التي يتزامن انعقادها مع احتفالات الشعب اليمني بذكرى ثورته، مذكرا للجمعية العامة بأول مبدأ إنساني راق زين ميثاق المنظمة الدولية، الذي جاء في ديباجتة ما نصه (نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا…)
والواضح من خلال هذا المبدأ أن المتحدث هنا الشعوب، وليس الحكومات، وهنا يذكر الشعب اليمني بمناسبة احتفالاته بذكرى ثورته، المجتمعين في دورة الجمعية العامة لهذا العام، أن الكلمة الأولى والأخيرة للشعوب في ما يتعلق بأسقاط حكومة ورفع أخرى إلى سدة الحكم، ووفقا لذلك قال الشعب اليمني كلمته في هذا الشأن في ثورته التي أنجز أهدافها في الحادي والعشرين من سبتمبر سنة 2014م.
والأصل أن ما حدث من تغيير لسلطة الدولة حق طبيعي للشعب اليمني، أنجزه رغم ما تعرض له الثوار من قمع من جانب شاغلي السلطة الفاسدين المستبدين، الذين كانت بيدهم قوة العنف، لكنهم لم يتمكنوا من ثني الشعب عن تحقيق هدفه المعلن في التغيير، وهو ما يؤكد أن القوة بدون الرضا الشعبي لا قيمة لها، ولن تكفل للممسك بها البقاء على رأس سلطة الدولة.
ولذلك فقد تمكن الشعب اليمني من انتزاع وسيلة القوة العنيفة من أيدي الفاسدين العملاء المرتهنين لأطراف خارجية، عملت جاهدة من خلالهم على إبقاء الشعب اليمني في حالة فقر وتخلف، يدور فقط في فلك البحث عن لقمة العيش، ولا يواكب ما عليه شعوب العالم من تقدم في مختلف المجالات، لكي تتمكن الأطراف الخارجية من الاستحواذ على موارده الطبيعية، وتتحكم في جغرافيته، وما تتمتع به من قيمة استراتيجية، لا تتوافر مثلها للأطراف الخارجية، التي عملت ومنذ ستينيات القرن الماضي على احتواء سلطة الدولة، ليكون شاغلوها تحت سيطرتها المباشرة، ومن يحاول منهم الخروج من دائرة الاحتواء، ومربع السيطرة، سيلقى حتفه حتما، بأيدي أدوات تلك الأطراف المتغلغلة في مفاصل سلطة الدولة.
وما تعرض له الرئيس الحمدي في منتصف سبعينيات القرن الماضي اوضح دليل على سطوة وسيطرة الأطراف الخارجية على شاغلوها سلطة الدولة، تلك السيطرة الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى بداية العقد الثاني من القرن الحالي، حين تمكن الشعب اليمني من انتزاع حقه في السيطرة على سلطة الدولة، رغم المحاولات المستميتة من الأطراف الخارجية استعادة سيطرتها بإعادة تثبيت عملائها في مفاصل السلطة من جديد، بطرق التفافية ناعمة، وطرق مسلحة عنيفة، أفشلتها الثورة الشعبية جميعها.
ولم تسلم الأطراف الخارجية بهذه النتيجة، فأعلنت ضد الشعب اليمني حربا عدوانية إجرامية، وأوغلت في إيذائه بفرض حصار خانق بري وبحري وجوي، امتد لأكثر من عقد من الزمان، بقصد خلق حالة من التذمر الداخلي تدفع الشعب إلى السخط على سلطته الثورية، والعمل على إسقاطها.
لكن الشعب اليمني ازداد إصرارا وصمودا في وجه العدوان والحصار وآثارهما التدميرية، والتف حول سلطته الثورية، معلنا بكل وضوح، أنه لا تراجع ولا تنازل عن حقه في الحرية والسيادة والاستقلال، وأنه لا عودة مطلقا للارتهان والوصاية الخارجية، مهما كان الثمن، ومهما كان حجم التضحيات.
والأصل أن تقابل المنظمة الدولية، وفروعها وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، موقف الشعب اليمني بكل الإعجاب والتقدير والفخر والاعتزاز، والدعم والإسناد، باعتبار هذا الموقف يمثل أصدق تجسيد لما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة من مبادئ وقيم إنسانية نظرية سامية، تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها وحريتها في اختيار حكامها وأنظمة حكمها، دون تدخل أو وصاية من جانب أطراف دولية خارجية، والأبعد من ذلك دون تدخل أو وصاية من المنظمة الدولية ذاتها، وفقا لنص الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاقها.
واليوم وبمناسبة احتفال الشعب اليمني بذكرى ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر  فإنه يذكِّر منظمة الأمم المتحدة بمبادئ وقيم ميثاقها بمناسبة عقد جمعيتها العامة لدورتها الواحدة والثمانين، ويعبر الشعب اليمني في هذه المناسبة عن بالغ أسفه وشديد استيائه من المواقف المخزية الصادرة في مواجهته من جانب مجلس الأمن الدولي، لا لشيء سوى للحجر على حريته ومصادرة حقوقه لصالح أطراف خارجية، رغم أن هذا المجلس، بوصفه نائبا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ملزم بالعمل وفقا لمبادئ الميثاق، التي تكفل للأمم والشعوب صغيرها وكبيرها ودون تمييز حقوقها وحريتها، وهو ما تضمنته الفقرة الثانية من  المادة (24) بنصها على أن ( يعمل مجلس الأمن، في أداء هذه الواجبات وفقاً لمقاصد “الأمم المتحدة” ومبادئها والسلطات الخاصة المخوّلة لمجلس الأمن لتمكينه من القيام بهذه الواجبات…).
لكن المؤسف حقا أن هذا المجلس تحول من مجلس لحفظ الأمن والسلم الدولي، وحماية وحقوق وحريات الشعوب، إلى مجرد بورصة يتم فيها تداول سندات المصالح غير المشروعة للدول الاستعمارية، وتحديدا الدائمة العضوية، وبدلا من وقوف المجلس في مواجهة العدوان وردع المعتدي وفقا للمادة (51) من الميثاق، التي قررت حق الدول في الدفاع المشروع، والتي تجيز للمجلس استخدام القوة العسكرية إسنادا لهذا الحق في وجه الدولة أو الدول المعتدية، وذلك بنصها على أن ( ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة” وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه).
لكن ما حصل في الحالة اليمنية هو العكس، فحين أعلنت السعودية من عاصمة الشر واشنطن، بدء عملياتها العدوانية الإجرامية ضد الشعب اليمني في السادس والعشرين من مارس سنة 2015م، دون مبرر، ودون تفويض أو أذن مسبق من مجلس الأمن الدولي، ورغم أن سلوك السعودية وتحالفها العدواني الإجرامي في مواجهة الشعب اليمني، يمثل خرقا فاضحا لميثاق الأمم المتحدة، الذي نص في الفقرة الرابعة من المادة(2) على أن( يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد “الأمم المتحدة”..)
ورغم أن استخدام النظام السعودي للقوة المسلحة مس بسلامة الأراضي اليمنية، وسيادة واستقلال الدولة السياسي، ودون أي مبرر، ويعد استخدام النظام السعودي للقوة المسلحة في ذات  الوقت منتهكا لميثاق الأمم المتحدة ومقاصدها، ومثل إهانة بالغة الخطورة للمنظمة الدولية بجميع فروعها، ومع ذلك لم يتخذ مجلس الأمن أي إجراءات عقابية في مواجهة تلك الجريمة، وذلك الخرق الواضح الفاضح، والإهانة السافرة، بل على العكس من ذلك وقف المجلس وفي حالة من الخنوع غير المسبوق إلى جانب المعتدي في مواجهة المعتدى عليه، مساهما بذلك الموقف المخزي في قتل وتجويع أبناء الشعب اليمني، تحت تأثير الوفرة المالية للنظام السعودي،  ولا يزال مستمرا على ذلك منذ أكثر من عقد من الزمن وحتى اليوم.
وهنا وبمناسبة انعقاد دورة الجمعية العامة الحادية والثمانين يبرز على السطح تساؤل مهم، وهو هل بقي لقيم الميثاق من قيمة إنسانية؟ وهل بقي للجمعية العامة مما خولها الميثاق من سلطات في مواجهة فساد مجلس الأمن، الذي تجاوز حدود نيابته، وأخل إخلالا جسيما بواجباته المنصوص عليها في صلب الميثاق؟
وكون مجلس الأمن بوصفه نائبا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وفقا للفقرة الأولى من المادة (24) من الميثاق التي تنص على أن (رغبة في أن يكون العمل الذي تقوم به “الأمم المتحدة” سريعاً فعالاً، يعهد أعضاء تلك الهيئة إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدولي ويوافقون على أن هذا المجلس يعمل نائباً عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات…).
فهل تجرؤ الجمعية العامة اليوم على كبح جماح فساد نائبها، بتجاوزه السافر لحدود صلاحياته وتنصله عن واجباته القانونية، وغضه الطرف عن انتهاكات فظيعة فاضحة من جانب أطراف دولية؟! وليس ذلك فحسب، بل تماهي المجلس معها واسهم في تلك الانتهاكات.
وحتى لا يحمل الشعب اليمني الجمعية العامة فوق طاقتها، فإنه يكتفي هنا بسؤالها فقط، ليس عن قدرتها على ردع نائبها مباشرة، بل عن قدرتها في إرسال طلب الى محكمة العدل الدولية لتزويدها برأي استشاري تقيم بموحبه سلوك ومواقف نائبها تجاه الشعب اليمني، الذي يواجه العدوان والحصار منذ أكثر من عقد من الزمن، لتبني الجمعية على ذلك وعن يقين تام موقفها تجاه نائبها.
فهل ستجرؤ الجمعية العامة في دورتها الحالية على ذلك؟ أم أن حقها المقرر لها بموجب أحكام ميثاقها أصبح مصادرا حاله حال ما قرره الميثاق للأمم والشعوب كبيرها وصغيرها من حقوق في العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والمساواة والاستقلال، وحقها في تقرير مصيرها، وحقها في اختيار حكامها وأنظمة حكمها، ودون أي تمييز، ودون أي تدخل خارجي، وجميع هذه الحقوق ساهم نائبها بشكل واضح وفاضح في انتهاكها ومصادرتها ؟
فهل ستجرؤ الجمعية العامة على مجرد إرسال ذلك الطلب إلى محكمة العدل الدولية، لتقييم سلوك نائبها ومواقفه تجاه الشعب اليمني، القائمة على ذريعة الشرعية، التي لا وجود لها الا في غرف الرياض الفندقية، والتناولات الورقية، ولا غطاء لها الا الوفرة المالية السعودية؟
وفي المقابل تجاهل ولا يزال يتجاهل عمدا النائب الأممي مجلس الأمن الدولي، المشروعية الواقعية المسنودة بالإرادة الجمعية الشعبية، التي لا يجهل أو يتجاهل مكان تواجدها إلا متنصل عن واجباته القانونية، وفاقد للقيم الأخلاقية الإنسانية.
ذلك هو حال نائب الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهنا يتكرر ويتكرر التساؤل لهذه الجمعية، هل يمكنها في دورتها الحادية والثمانين تلبية طلب شعب ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر بمراجعة سلوكيات ومواقف نائبها، ولو عن طريق الطلب علنا إلى محكمة العدل الدولية، تزويدها برأي استشاري تقيم بموجبه تلك السلوكيات والمواقف، لتقرر الجمعية العامة بناء على ذلك ما تراه مناسبا تجاه نائبها من تقريع وتوبيخ وسحب لسابق تفويضها له، وما يتلو ذلك من إعادة هيكلة وإصلاح لفروعها وعلى رأسها نائبها مجلس الأمن الدولي؟
واذا لم تتمكن الجمعية العامة، من تلبية طلب شعب ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر ، وترى نفسها مكبلة، عاجزة غير قادرة على الحركة، بسبب تغول نائبها، أو بسبب تأثيرات وضغوط لوبيات الفساد والإجرام في مكان تواجدها، فشعب ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، سيقدم لها حلا ناجعا يمثل طوقا لنجاتها، ويمكنها به فك أغلالها، واسترداد إرادتها، واستعادة ما سلبه نائبها من سلطاتها، ذلك الحل هو (التغيير)، وقد تتسأل الجمعية عن ماهية ذلك التغيير وكيفيته؟
أما عن ماهية التغيير فتكمن في الانتقال من حالة الخنوع إلى حالة الاقدام، وعن كيفية التغيير فإنها تبدأ بتغيير مسمى (دورة) إلى ( ثورة)  من خلال استبدال حرف الدال بالثاء في  (دورة 81 )  لتصبح (ثورة 81) وهو ما يعد تجسيدا واقعيا عمليا لحالة الانتقال من الخنوع إلى الاقدام، وإذا ما امتلكت الجمعية العامة الشجاعة والجرأة وتصرفت في دورتها الحادية والثمانين لهذا العام وفقا للحل المقدم لها من شعب ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، فإن نتائج ذلك ستكون مذهلة وصادمة، ومزلزلة، في وجه من كبلها وصادر حقوقها، واستولى على سلطاتها، وجعل دوراتها السنوية مجرد شكل من دون مضمون.

قد يعجبك ايضا