قراءة في خطاب الاستقلال والسيادة:  صمود شعب وإسقاط لمشاريع الوصاية والعدوان

هاشم عبدالجليل جحاف

 

في لحظة فارقة من تاريخ اليمن الحديث، تتجلى الحقيقة الناصعة المقترنة بوعي إيماني ووطني صلب؛ حيث يُعيد خطاب السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي اليوم رسم ملامح المرحلة التاريخية الناشئة، مستعرضاً المحطات والمخاطر التي أحاطت بالبلاد منذ عهود الوصاية الأجنبية وصولاً إلى مرحلة الصمود والثبات في مواجهة العدوان والحصار.

المخطط التآمري والانهيار المنظم

لم تكن مرحلة ما قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر مجرد حقبة سوء إدارة، بل كانت مساراً ممنهجاً اتجه بالبلاد نحو الانهيار الشامل وتفكيك مؤسسات الدولة. لقد فرضت القوى الخارجية وصاية مطلقة تحكم من خلالها السفراء الأجانب وفي مقدمتهم السفير الأمريكي بمفاصل القرار السياسي والأمني والعسكري، وتحول العاصمة صنعاء إلى ساحة مفتوحة للاغتيالات المستمرة التي طالت رجال الجيش والأمن والأكاديميين، بل ووصل الاستهتار بحياة المواطنين إلى حد اقتحام المستشفيات والتنكيل بالمرضى والجرحى.

على المستوى العسكري والأمني، تعرضت القدرات الدفاعية للدولة، ولا سيما سلاح الجو والدفاع الجوي والقوة البحرية، لاستهداف مباشر وتدمير متلخص في تفكيك عناصر القوة الوطنية لتجريد البلاد من أي قدرة على التصدي للاعتداءات الخارجية. واقتصادياً، أُثقل كاهل الشعب بالجرع السعرية المتتالية رغم تدفق الثروات النفطية والغازية وفي ظل غياب أي حالة حرب، ما أكد أن الانهيار كان خياراً شاملاً لإخضاع الإرادة الوطنية.

استعادة القرار وبناء القوة من نقطة الصفر

جاءت الثورة الشعبية في الحادي والعشرين من سبتمبر كضرورة تاريخية وإرادة جماهيرية أصيلة لم تُحركها أي دفع خارجي، بل نبعت من وجدان الشعب اليمني المتمسك بحريته واستقلاله. لقد مثلت هذه النهضة تحولاً استراتيجياً أربك حسابات القوى الإقليمية والدولية (مجموعة الدول العشر)، وأعادت للشعب اعتباره وعزته المبدئية.

ورغم أن المسار الثوري قدم مبادئ السلم والشراكة الوطنية، إلا أن القوى المتضررة من استقلال القرار اليمني اتجهت فوراً نحو الخيار العدواني؛ فحشدت التحالفات الإقليمية والدولية لإعادة فرض السيطرة والاحتلال. وفي خوض معركة الدفاع المقدس، شُيِّدت القدرات العسكرية والأمنية من نقطة الصفر، ليتصاعد مسار التصدي بفضل الثبات الميداني والتضحيات الجسيمة، مما أدى إلى إحباط الرهانات الحتمية للأعداء وصدمهم بفاعلية الترسانة الدفاعية الوطنية.

تداعيات التصعيد وحقيقة الدور السعودي وحلفائه

توضح معطيات الواقع أن النظام السعودي، بإشراف وتنسيق مباشرين من القوى الدولية والكيان المحتل ، مارس عدواناً شاملاً استهدف كل مقومات الحياة والأعيان المدنية؛ من منازل ومساجد ومدارس وأسواق، مخلفاً آلاف الضحايا من النساء والأطفال، ومسجلاً جرائم حرب مكتملة الأركان وفق كافة المواثيق الدولية.

ومع التحول نحو التهدئة، استمر الحرمان الممنهج للشعب من عائدات ثرواته النفطية والغازية المخصصة للمرتبات والخدمات، وحُشدت القيود الاقتصادية لإيصال الوضع الإنساني إلى مستويات كارثية. وفي مقابل الموقف المبدئي والإنساني الذي اتخذه اليمن لإسناد الشعب الفلسطيني ومواجهة العدوان الصهيوني، نشطت الأدوار الاستخباراتية والمعلوماتية للمعتدين، وفتحت الممرات والمطارات للاعتراض والتجسس لصالح الكيان المحتل ، مع الاستمرار في شن الحملات الإعلامية المضللة والاتهامات الباطلة التي تحاول المساس بالمقدسات الإسلامية التي يقدسها الشعب اليمني في أسمى صور الإجلال.

المشروعية الوطنية وأفق المواجهة

إن صمود الشعب اليمني ومواجهته الحازمة للتصعيد الميداني والحصار الجائر يرتقيان إلى كونهم حقاً مشروعاً مكفولاً بالشرائع السماوية والقوانين الدولية. ولا يمكن لأي خناق اقتصادي أو تحشيد عسكري، مهما بلغت جسامته، أن يثني شعباً قرر امتلاك حريته واستقلاله.

تتأكد اليوم حقيقة ثابتة مفادها أن الاستقلال التام والسيادة الكاملة هما الأساس غير القابل للتفاوض، وأن مسار الرد والتصدي سيبقى خياراً حاسماً حتى رفع الحصار، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق كافة التطلعات المشروعة للشعب اليمني العزيز.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا