جامع الجند وجمعة رجب.. روحانية لها نكهة خاصة

 

يمثل جامع الجند لليمنيين حقبة مثقلة بالشجن لما يمثله في نفوس اليمنيين رمزا دينيا ومحطة مهمة في دخول اليمنيين الإسلام ،، فقد ظل جامع الجند على مدى قرون عديدة منارة إشعاع تنويري أمدَّ قوافل الفتوحات بمئات العُلماء..
حيث يعتبر من المساجد القديمة في اليمن والذي تم تشييده في العام السادس للهجرة في شهر رجب حين بعث الرسول الأكرم معاذ بن جبل إلى اليمن ليعلم أهلها أمور وأحكام الإسلام فكانت أول جمعة تقام في اليمن.
الثورة / هيثم الكمالي

تعرض الجامع للعديد من الإصلاحات والتوسيع على مدى قرون عديدة ففي العام (317 – 402) للهجرة أعاد الحسين بن سلامه بناءه وتتحدث الروايات بأن الحاكم الصليحي (المفضل بن أبي البركات) هو الآخر قام بأعمال إنشائية في الجامع حيث تعرض للهدم في عهد مهدي بن علي بن مهدي الرعيني الحميري في العام (558 ) للهجرة ثم أعاد الحاكم الأيوبي سيف الدين اتابك بناءه في العام (575) للهجرة مضيفا إلى المبنى الرواق الجنوبي والرواقين الجانبيين والصحنين الواقعين بالحرم إلا أن أهم تلك الإصلاحات ما قام به الوزير الأفضل بن أبي البركات سنة (480) للهجرة وكذلك في عهد الملك الناصر أيوب بن سيف الإسلام في العام (603) للهجرة ببناء سقوفه بالآجر والجص وطُعم نقوشه بالذهب واللازورد فاصبح سقفه قبلة للأنظار ومعلما لضرب الأمثلة لروعته وجماله حتى قيل (خذ من جوامع اليمن المنابر ومن جامع الجند السقف) وعلى مدى السنوات المتوالية ظل اهتمام وزارة الأوقاف مستمراً بتجديده وترميمه.
ويعد جامع الجند من الجوامع القديمة والمهمة في محافظة تعز، إذ لا يبعد عن قلب المدينة سوى (20) كيلو إلى الشمال الشرقي ،، ويطلق عليه جامع معاذ، نسبة إلى الصحابي الجليل معاذ بن جبل وأيضاً جامع الجند نسبة إلى منطقة الجند والذي يوجد فيه.
وأنت تتجول في رحابة العطر ستختزل التاريخ في لحظات عجلى تحتشد فيها صور زاهية الألوان بديعة الخطوط والظلال تشير جميعها إلى حقيقة واحدة ظلت على مدى قرون من الزمن عنوانها: (هنا صلى معاذ بن جبل ومن هنا أشرق نور الهداية الإسلامية).
ولما يمثله جامع الجند المرتبط ارتباطا وثيقا بجمعة رجب في نفوس اليمنيين ووجدانهم حيث يعتبرونها عيدا ثالثا كما يصفها الكثيرون بجمعة الهداية لما لها من مكانة عظيمة في دخول بلد الحكمة الإيمان في السنة السادسة للهجرة النبوية بداية توافد اليمنيين الأرق قلوبا والألين أفئدة، كما وصفهم الرسول الأكرم.
ويحتل هذا الشهر المعظم لدى المجتمع اليمني أهميته في وجدانهم بسبب حدوث معجزة (الإسراء والمعراج) فيه وفي منتصف شهر رجب من السنة الثانية للهجرة في العام 623 للميلاد تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.
وتأكيدا على أهمية جمعة رجب يتوافد اليمنيون من كل عام ليحتفلوا بهذه المناسبة العظيمة التي أخرجتهم من ظلام الجهل والجاهلية إلى نور الإسلام وعزته والتي تركت محطة تاريخيه لها أثرها قيمة ومحطة ما زالت تعيش هيبة الموقف وروعة الحدث.

قصة فرح
يعتبر اليمنيون جمعة رجب على وجه الخصوص وشهر رجب عموما مناسبة دينية عظيمة يجب الاحتفاء بها حيث يتجهز الأهالي لهذه المناسبة قبل أشهر من حلولها بالتذكير بفضائل هذا الشهر وترديد بعض الأهازيج الشعبية المتوارثة جيلا بعد جيل والتوشيحات الصوفية التي تملأ الجوامع بكلماتها وألحانها الشجية المعبرة عن روحانية هذا الشهر الفضيل ،، وما إن يشرق يوم جمعة رجب أو ما يطلق عليه “الرجبية” تتوافد السيول البشرية إلى جامع الجند مهللين ومكبرين.

الصوفية وجمعة رجب
يُعبر المتصوفون، أو ما يسمى بالطرق الصوفية، باستقبالهم لهذا الشهر المعظم ولجمعة الرجبية بقرع الطبول الصوفية وارتداء اللباس الأخضر والعمامة المشفرة بالرياحين معلنين استقبالهم لهذه المناسبة التي لها مكانة في جميع الطرق الصوفية.
تستبق السيول البشرية المتوافدة إلى جامع الجند قبل يوم من الجمعة للمبيت هناك يملأون ساحة الجامع بالتواشيح الدينية التي تملأ المكان روحانية وبهجة.

الفكر التكفيري وجمعة رجب
سعى التكفيريون جاهدين لمحو هذه المناسبة والاحتفال بها بشتى الأساليب والوسائل خلال العقود الماضية، ورغم محاولاتهم إلا أنها باءت بالفشل، فالمجتمع اليمني عموما والتعزي على وجه الخصوص يدرك تماما أن تلك الدعاوي والمحاولات ماهي إلا سياسة غربية بامتياز لسلخ المجتمع اليمني من الاحتفاء والاحتفال بشعائره الإسلامية المحمدية وإبعادهم عن ذكرى دخول اليمنيين الإسلام، رغم تلك المحاولات التي ظلت لعقود من الزمن إلا أن المجتمع اليمني كان متمسكا بهذه المناسبة وغيرها من المناسبات الدينية كالمولد النبوي، وما نشاهده في وجوه اليمنيين من بهجة وسرور بهذه المناسبة العظيمة إلا دليل على أن محاولات الفكر التكفيري باءت بالفشل.
ظلت هذه الذكرى في قلوب اليمنيين عيدا خالدا يحتفلون فيها بنعمة الإسلام ويستعيدون من خلالها كل قيم التوحيد والتلاحم والتآخي في وقت تعيش اليمن أقسى امتحان عرفته على مر العصور من عدوان غاشم يسعى لتدمير جميع القيم الدينية والوطنية للشعب اليمني الذي يواجه أبشع عدوان وحصار عالمي منذ ست سنوات.

جامع الجند يكتسي حلته الخضراء
وأنت تتجول في زوايا جامع الجند متأملا تلك التجهيزات التي خصصت للاحتفاء بهذه المناسبة ستدرك عظمة المكان وعظمة المناسبة من خلال الحلل الخضراء التي تغطي مساحات شاسعة من أجزاء الجامع والخُطب الدينية التي تعتلي منابره بمكبرات الصوت لتسرد محطات من سير وأعلام السيرة النبوية التي كان لليمنيين دور بارز في نشر الدعوة الإسلامية إلى أصقاع الأرض، ولأن جامع الجند كان محطة إشعاع وتنوير وكذلك منطلقا للقضاء على العبودية ما زال يمارس دوره في رفع مستوى الوعي الشعبي لمواجهة العدوان الغاشم على بلادنا والتصدي لكل مخططات العدوان التي تستهدف هوية اليمنيين الدينية والتاريخية.
ولما له من أثر ديني واجتماعي وثقافي فإن جامع الجند يشكل لوحة فنية تبرز من خلال شواهد العمارة الإسلامية البديعة في اليمن وتعكس فنون البناء والإبداع الذي تميزت به الأيادي اليمنية على مر العصور.

قد يعجبك ايضا