كوكب جوجل الذي غيَّر حياة العالم

 

خليل المعلمي

أصبح محرك البحث “جوجل” من أشهر المحركات في العالم، وأكثرها تميزاً، يفضله مستخدمو الحواسب الآلية، بضغطة زر يأخذنا إلى حيث نشاء بين مختلف الصفحات والمواقع.
“كوكب جوجل” كتاب صدر بالعربية مترجما عن الإنجليزية من تأليف “راندال ستروس” وترجمة “مها عز الدين”، محاولاً الإجابة على سؤال رئيسي هو: كيف استطاعت رؤية شركة واحدة أن تحوِّل حياتنا؟
يستعرض الكتاب تاريخ وفلسفة شركة جوجل ويقدم في الخلفية رصداً تاريخياً لتاريخ ثقافة المعلومات الالكترونية في العالم وتاريخ التنافس التقني والاقتصادي في واحد من أسرع مجالات تكوين الاستثمارات في العالم.
سمتان رئيسيتان
وهناك سمتان رئيسيتان ميزتا جوجل عن أحد العمالقة الذين سبقوها مثل “مايكروسوفت” وحتى عن الشبكات الاجتماعية التي لحقتها بزمن وجيز مثل “الفيس بوك” وهما أن جوجل لها رؤية استراتيجية تتمثل في إتاحة البيانات والمعلومات في أرجاء العالم بلا حدود، وليس إتاحة بيانات المستخدمين، كما أنها تعمل وفقاً لنموذج مفتوح وليس مغلقاً كما هو شأن الشبكات الاجتماعية.
فعلى سبيل المثال أغلب الشركات تستخدم بيانات المستخدمين لتقديمها للشركات المعلنة أو لكي تخطط تلك الشركات نوع الإعلانات التي تناسب المستخدمين، لكن “جوجل” اكتفت بأن تدرس تفضيلات المستخدمين من خلال ما يبحثون عنه في محرك البحث فلو أن شخصاً يبحث عن عنوان كتاب مثلا فإن جوجل تفهم من ذلك اهتمامه بالكتب، أو لو كان يبحث عن مصطلح علمي فربما يكون ذلك مؤشراً على مواد علمية يمكن الإعلان عنها وهكذا.
هذه الفكرة البسيطة للإعلان حققت ما لم يكن في خيال كل من “لاري بيج” و”سيرجي برين” مؤسسي الشركة اللذين التقيا عندما كانا من طلاب سنة التخرج في علوم الحاسب الآلي في جامعة “ستانفورد” أن يحققاه لا هما ولا أي شخص آخر، فتلك الإعلانات الخفية التي كانت تظهر على صفحة الموقع أصبحت حجر الأساس لتجارة سيمنحهما المستثمرون قيمة غير مسبوقة وصلت في نهايات عام 2007م إلى 225 مليار دولار أمريكي.
أرباح خيالية
يقول مؤلف الكتاب “راندال ستروس” وهو صحفي متخصص في تكنولوجيا المعلومات إن الشركة التي تأسست عام 1998م بفضل نصوص الإعلان الصغيرة تلك تعتبر قد وقعت على بئر البترول الأول في مجال الإنترنت، وهو ما ترصده تفاصيل الأرباح التي حققتها الشركة في زمن قياسي، بلغت 400 مليون دولار في العام 2002م وتضاعفت إلى مليار وستمائة مليون بعد عام واحد، ثم بلغت ستة مليارات ومائة مليون في العام 2005م لتقفز إلى ما يفوق 16 مليار دولار العام 2007م.
وقد أدت هذه الأرباح إلى أن تقوم جوجل بتوسيع مجموعتها من صفحات الشبكة مضيفة فهارس موضوعات تم نشرها بأشكال متنوعة، أخبار، كتب، مجلات علمية، بينات مالية للشركات، خرائط طرق، صور أقمار اصطناعية، وبراءات اختراع، وسوى ذلك من خدمات كانت الشركة تتوسع فيها وتخلق مناخاً مثالياً لبيئة العمل لكي تتيح للموظفين كل ما بإمكانه أن يحمسهم للحضور والإنتاج خلال فترات العمل دون شعور بالملل أو الإرهاق.
وعلى سبيل المثال وفرت للعاملين فيها مرتبات جيدة، حيث كانت تبحث عن كفاءات مميزة بل ووضعت شهادة الدكتوراه كأفضلية لمن يتولى بعض الوظائف كما وفرت عدة خدمات مدفوعة ومتنوعة منها بدل انتقال ووجبات يومية ورعاية طبية وغيرها، وذلك ما جعلها بيئة مثالية للعمل، وتوسعت في ضم الموظفين حتى بلغت قوتها البشرية 16805 موظفين.
وبقليل من التأمل سنجد أن مثل هذا التوسع المذهل لم يكن اعتباطيا أو عشوائياً بل واكبته نقلات عملاقة في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، فقد قدمت للمستخدمين في أرجاء العالم خدمات غير مسبوقة بعضها يعد تغيراً نوعياً ليس فقط في نوع الخدمة بل وحتى في مفاهيم كبيرة لها علاقة بمعنى الزمن والمكان وبينها مثلاً موقع جوجل الأرض الذي قدم للأفراد العالم كاملاً مصوراً بالأقمار الاصطناعية على مرمى الشاشة.
تجربة فريدة
أهمية هذا الكتاب في الحقيقة تتمثل في أنه عبر تقديمه لتاريخ شركة رائدة في صناعة تقنية الاتصال والمعلوماتية يقدم تاريخ العديد من الشركات الأخرى في عالم تقنية الحاسب الآلي والبرمجيات، عبر توضيح أن استراتيجيات توسع جوجل كانت دائما ما تأخذ في الحسبان استراتيجيات العمالقة وبينهم مايكروسوفت مثلاً أو الكثير من رواد الشبكة وأجهزة الحاسوب مثل IBM أو “دابل كليك” أو “نيتسكيب كويونيكيشن” أو المواقع الاجتماعية مثل “ماي سبايس” التابع لشركة “فوكس ان اكتيف ميديا” أو “فيس بوك” و”تويتر” وغيرها.
كما أنه يقدم تفاصيل تجربة طموح شابين استثمرا ما تعلماه في جامعة “استانفورد” في مجال تخصصهما في إنجاز محرك بحث جبار كان طموحه الأول أن يفهرس مليار صفحة للمستخدمين عن مختلف محتويات الشبكة، ثم تتبع كيف تم تسويق هذه الفكرة بحيث يتمكنان من تمويلها عبر الإعلانات، والقفز بطموحاتهما إلى آفاق غير مسبوقة آخذين في الاعتبار محاولة المحافظة على قيم أساسية مهمة وبينها موضوع الخصوصية لبيانات المستخدمين.
العلم أولاً
يشير ستروس إلى مسألة مهمة تخص مؤسسي جوجل وهي أن نجاحهما التجاري كان في الأساس صنيعة حس تقني وأكاديمي وإبداعي، كانت علوم الحاسوب وليست الأعمال التجارية هي المسيطرة على عقلي المؤسسين فبعد أن جربا كطالبين في الدراسات العليا بحثهما بآلات ذات قوة حصان محدودة قرر الشابان أن يبنيا شركة من شأنها أن تستثمر بإسراف في موارد الحاسوب بحيث يكون لدى الآلات متسع على الدوام لأي مهمة يتصورانها مهما بلغ طموحها، وكانت المفارقة الكبيرة هي أن اجتنابهما الاعتبارات حسابات التكلفة منذ ذلك الحين وحتى الآن قد مكن من ظهور واحد من أكثر الأعمال الجارية ربحية في العصر الحديث.
وبسبب الأولوية التي أولاها كل من “بايج وبرين” لعلوم الحاسب الآلي في أفكارهما فقد كانت النقلات التي حققاها تخلو في جوهرها من الطابع التجاري لكنها تحقق الربح بالضرورة لاحقاً بسبب نجاحها الكبير.
مشاريع تطويرية
في العام 2005م بلغت طموحات جوجل السماء حيث أطلقت مشروعها “Google Earth” الذي كلفها الكثير أيضاً من حيث رسوم الخرائط، ثم إيجاد وسائل بث الصور بالأقمار الاصطناعية، وقد استفاد من ذلك الكثير، وبعد عامين أنشأت مشروعاً آخر هو “Google Sky” الذي وفر للمستخدمين إمكانية البحث عن النجوم والكواكب في السماء والسياحة في الفضاء من على شاشة الكمبيوتر.
ويتضمن الكتاب الكثير من تفاصيل بدايات إطلاق الكثير من المشروعات الأخرى الطموحة مثل برنامج جوجل للترجمة الآلية، وبرامج الخدمات التي يوفرها عبر الشبكة للمستخدمين التي كانت تقتصر على مايكروسوفت، وهناك الكثير من التفاصيل الخاصة بتطوير كل مشروع من هذه المشروعات بعضها تاريخي وبعضها فني وتقني، لا تغني عنها قراءة الكتاب كاملاً.
لكن هذه التفاصيل في النهاية تكشف كيف أن هذه الجهود الجبارة التي تنطلق من علوم الحاسوب الآلي وتحقق نقلة في الاستثمارات في هذا المجال لها مردودات عديدة على البشرية من حيث الخدمات أولاً، وتوفير خيالي في الوقت والجهد للمستخدمين، إضافة للتغيرات في القيم والمفاهيم في الجوانب الثقافية وكذلك في قيم الاختلاف وتكسير الحواجز المكانية والجغرافية بين البشر، وبالتالي تقليل الفجوات الواسعة بين الثقافات المختلفة، فضلاً عن النقلات المعرفية الجبارة التي حققتها جوجل حتى الآن بحيث أصبح بإمكان أي شخص خلال مناقشة مع أصدقاء أو خلال درس أو في أثناء مشاهدة التلفزيون البحث عن موضوع أو كلمة تثير انتباهه ويتلقى حولها آلاف الصفحات في ثوان قليلة وهي نقلات تاريخية لا يستهان بها.

قد يعجبك ايضا