إنه نور نبيك يا جابر
قراءة د. عبدالغني جغمان
كان العالم في جاهلية وظلمة يتخبط ويعيش حياة الحيرة والاضطراب والظلم والعدوان حتى شاء الله تعالى أن يبعث النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، فسطعت شمس النبوة في أرجاء العالم، وامتلأت القلوب الميتة والأجساد المظلمة الضالة، بميلاد النور وإذا أرواح المسلمين يشرق فيها النور فتضيء، ويفيض منها النور فتمشي به بين الناس تهدي الضال وتلقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتحرر المستعبد، وتكشف معالم الطريق للبشر، { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} (سورة الأنعام:١٢٢) وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد، الإنسان المتحرر من العبودية، الذي خرج من رق عبودية البشر إلى عبودية الله وحده، فنفخت روح الحياة حياة الإيمان من جديد، وأفيض على قلبه النور، وهكذا حصلت تلك النقلة المحورية.
إن اتباع و نصرة ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الإسلام، وشرط من شروط صحة الإيمان، قال الله تعالى:{ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } (التوبة: 24).
فلا يجوز أن يكون حب أي عرض من أعراض الدنيا مقدماً على محبة الله ورسوله، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينفي الإيمان عمن لم يجعل محبته مقدمة على محبة الأهل والمال والولد فيقول:» لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». أخرجه البخاري/15. وحين سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه:» كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ».
كيف لا وهو النور الأول، حسب مصنف عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: ما هو أول شيء خلق الله تعالى؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير. وروي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبياً من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- لئن بعث، وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه. قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)} ( سورة آل عمران).
نجد في التاريخ الإسلامي ما يلخص الكثير من حال المسلمين قبل وبعد الإسلام، فيما قاله المغيرة بن زرارة عند خطابه لملك كسرى يزدجرد قبل معركة القادسية الشهيرة: حيث قال يزدجرد: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذاتِ بينٍ منكم، قد كنا نوكِّل بكم قرى الضواحي فيكفوناكم، لا تغزوكم فارس، ولا تطعمون أن تقوموا لهم؛ فإن كان عددُكم كَثُر، فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهَكم، وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملكًا يَرفُق بكم؛ فأُسكِت القوم.
فقام المغيرة بن زرارة، فقال: إنك قد وصفتَنا صفة لم تكن بها عالِمًا، فأما ما ذكرتَ من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا، فلم يكن يشبهُ الجوع، كنا نأكل الخنافس، والجعلان، والعقارب، والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل، فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم، دينُنا أن يقتل بعضنا بعضًا، وأن يبغي بعضُنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنتَه وهي حية؛ كراهية أن تأكلَ من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك، فبعث اللهُ إلينا رجلاً معروفًا، نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها، أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبْه أحد أول من تربٍ كان له، وكان الخليفةَ من بعدِه، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقتُ كل شيء، وإليَّ يَصِير كل شيء، وإن رحمتي أدركتْكم فبعثتُ إليكم هذا الرجل؛ لأدلَّكم على السبيل التي أنجِيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلَّكم داري دارَ السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: مَن تابعكم على هذا، فله ما لكم، وعليه ما عليكم، ومَن أبى فاعرِضُوا عليه الجِزْيَة، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومَن أبى فقاتلوه؛ فأنا الحكم بينكم، فمَن قُتِل منكم أدخلتُه جنتي، ومَن بَقِي منكم أعقبتُه النصر على مَن ناوأه، فاخترْ إن شئتَ الجِزْيَة وأنت صاغر، وإن شئتَ فالسيف أو تُسلِم فتنجي نفسك، ورفض يزدجرد أن يسلم، فكان ما كان وانهزمت جيوش كسرى وانتصر المؤمنون.
وفي الختام هناك شهادات كثيرة عبر التاريخ وإلى اليوم حول عظمة شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ولكننا نقتصر على شهادة واحدة هي أعظم من تلكم الشهادات جميعاً، وهذه الشهادة هي أكبر شهادة في هذا الوجود وهي التي يُشير إليها القرآن الكريم بقوله: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ…} (الأنعام: ١٩)، فهي أعظم شهادة في هذا الوجود كله. حيث بلغ النبي صلى الله عليه وآله مستوى الكمال في القوة النظرية والعقل النظري، قال تعالى {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: ١١٣)، وكان فضل الله تعالى عليه في هذا البعد عظيما. قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (الشرح: ٤) وبعد عظيم علمه، يخبرنا عز وجل عن عظيم أخلاقه، يقول الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: ٤).
كما أن المنهج الذي جاء به بمثابة ثورة في تاريخ البشرية، فتعاليمه كانت تهدف إلى إخراج البشرية من ظلمات العبودية والمحرمات إلى نور الحرية والإيمان، ومنهج خاتم لجميع الرسالات يحمل في جنباته الرحمة والتخفيف حيث قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: ١٥٧).
إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم نعمة أنعم الله به علينا فإنه حريٌ بنا أن نعظم شعائر الله، قال تعالى {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج: ٣٢). ويجب المساهمة بفاعلية في الاحتفال بميلاد النور الأول ونحمد الله ونشكره على هذه النعمة وان نتذكر المنعم بها ونشكره عليها قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)} (سورة يونس: ٥٨). وهذا الشكر يستوجب منا أن نتمسك بكتاب الله تعالى ونهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدقاً لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} (سورة الأحزاب :21). فما أعظم هذه النعمة وما أعظمك يا رسول الله وقد منحك الله سبحانه من كمالات الدنيا والآخرة ما لم يمنحه غيره من قبله أو بعده.
