اهتمام رسمي وشعبي بتنفيذ استراتيجية تنمية محصول القهوة ومضاعفة إنتاجه

“البن”.. خطوة على طريق استعادة المجد الزراعي والتجاري 3-3

 

 

المشاط
مفتتحا الاستراتيجية:
البن اليمني نكهة أمة وعرق شعب فأجدادنا اعتمدوا عليه معيشيا بعد ان اكتشفوه زراعيا وتجاريا
حقائق على الأرض:
– هناك مبادرات فردية وجماعية وحكومية تفتح الأمل تجاه النهوض بواقع زراعة البن
– الاستراتيجية تستهدف رفع حجم الإنتاج من 19 ألفاً و286 طناً حاليا إلى 50 ألفاً و424 طناً بحلول 2025م.
الثور: وزارة الزراعة والري تسعى عبر استراتيجية منهجية إلى التوسع في زراعة محصول البن وتحسين إنتاجه وجودته

طابَ الجَنى يا حُقُول البُن يا احلى الأغاني
                                                           يا سُنْدس اخْضَرْ مُطَرَّزْ بالعَقِيق اليماني
يا سِحْر مَا لهْ حُدُود، في الكون قاصي وداني
                                                             ما احلى العقود القواني، في الغصون الدواني
بن اليمن يا دُرَرْ يا كَنْز فوق الشّجَرْ
                                               من يزرعك ما افتقرْ ولا ابتلى بالهَوانِ
بهذا التصوير الشعري، يختزل الشاعر اليمني مطهر الارياني، علاقة البن بالاقتصاد اليمني في المشهد السُنْدسي الأخضر المطرز بالعقيق اليماني في إشارة إلى محصول البن قاني اللون، لافتاً إلى أنّ هذا المشهد الجمالي الآسر، يعد كنزاً لا يمكن لمن يزرعه أن يفتقر إلى المال، وأن يُبْتلى بالهوانِ، خصوصا وأن منتج البن اليمني الذي غزا العالم قد وضع اليمن في صدارة دول العالم اقتصاديا خلال قرنين من الزمن.
وتبعا لهذا المشهد المتوج بالبهاء سنقف في الحلقة الثالثة والأخيرة من سيرة البذرة وسفر الفنجان (محصول القهوة اليمنية التي لا تغيب عنها الشمس).. سنقف على اهم أسباب التراجع المؤسف لزراعة وتصدير وتجارة هذا المحصول النقدي اليمني العالمي، لكننا سنتتبع خيوط التفاؤل بطموح المزارعين والجهات المعنية باستعادة المجد الزراعي والتجاري لمحصول البن.. متطرقين لمحددات المحور الاقتصادي الزراعي للرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة.. واستراتيجية الحكومة في تنمية محصول البن….. الى التفاصيل:

الثورة / محمد محمد إبراهيم

إذا ما عدنا إلى ميناء المخا فقد استمر حضوره التجاري العالمي المرتكز على البن اليمني حتى أواخر القرن التاسع عشر مع ازدهار ميناء عدن الذي اهتم به البريطانيون، إضافة إلى الحروب التي شهدتها سواحل البحر الأحمر، كالحرب العثمانية الإيطالية عام (1911م)، والحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م)، ناهيك عن تراجع إنتاج البن في اليمن بسبب ظهور منتجين جدد للبن في العالم، لكن هذا التراجع لم يلغ محورية البن في بناء الاقتصاد اليمني، ففي عهد الإمام يحيى (1918 – 1948م) ظل محصول (البن) إحدى ركائز اقتصاد الدولة المتوكلية، وخلال الحرب الأهلية التي شهدتها اليمن في ستينيات القرن الماضي عقب ثورة الـ26 من سبتمبر 1962م تأثرت زراعة البن، فيما شهدت في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات اهتماماً ورعاية على المستويين الشعبي والحكومي، لكن استقرار وانتعاش المدن أفرز معضلة الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، وهذا بدوره ظل مؤثراً على حركة التوسع الزراعي المفترض لمحصول البن، ومع ذلك كان الإنتاج متصاعداً ومشجعاً إلى سنوات ما قبل الحرب والحصار، فقد وصل الإنتاج في عام 2013م إلى 20 ألف طن، ووصل حجم المساحة الزراعية المخصصة للبن (34497) هكتاراً، لكن المؤلم هو أن هذا الرقم هوى في العام 2016م إلى ما دون 8000 ألف طن بسبب ما تمر به البلاد من صراعات داخلية في المحافظات الجنوبية ، وحرب خارجية قرنت بالحصار الشامل والمطبق على المحافظات الشمالية منذ صبيحة 26 مارس 2015م.
صمود رغم التحديات
ومع التراجع المؤسف –الذي أعاد بلد المنشأ الحقيقي للبن من مركز الصدارة في إنتاج القهوة العالمية القرنين السادس والسابع عشر، إلى المركز الـ 42 عالميا من بين 64 دولة حول العالم في تقارير تجارة البن العالمية 2017م، إلا أن زراعة البن لم تزل تحتل أولوية ومكانة اقتصادية، وهوية فخر في المجتمع، والمؤشر على هذا الأمل الحي، هو أن ثمة حراساً جدداً يحيطون قضية زراعة (البن) بالعناية والاهتمام رغم التحديات، فهناك جمعيات زراعية جديدة نشطة تنادي بتذليل الصعوبات للمزارعين، وتقدم مشاريع مشجعة، تؤكد على استغلال وسائل النقل والحداثة وترويض سبل الحياة العصرية لاستنهاض حضارة زراعة البن في وجدان المجتمع اليمني، كما أن هناك شركات محلية تأسست على تراكمات خبرات وتجارب الآباء والأجداد في إنتاج وتحميص وتسويق البن وفق الطرق الحديثة، المشفوعة بتقنيات الحفاظ على الجودة العالية.
كما أن هناك شركات وتجاراً آخرين نشطوا باقتدار في السوق المحلية، والعربية والدولية، وأن ثمة شباباً قدّموا نماذج مبشرة بتمسك اليمنيين بمحصول القهوة.. فالشاب اليمني “حسين أحمد” -الحاصل على شهادة التذوق الدولية للبن، من منظمة Coffee Quality Grader الأمريكية للعام 2014م- عاش قصة عشق مع قهوة البن اليمني منذ أن كانت أمه في اليمن تحضِّرها له قبل ذهابه إلى المدرسة، وعلى مرّ دراسته في بريطانيا ظل يفكر في قهوة البن لشهرتها التي يلمسها أينما حطت به الأسفار من العالم، فبعد سفره إلى اليابان عام 2011م -بحكم زواجه من يابانية- افتتح أول مقهى في العاصمة اليابانية طوكيو، ليتم إدخال عينات من بن القهوة اليمنية إلى المختبرات اليابانية، لتحرز درجة عالية من الجودة في جلسات التذوق، وفي أواخر 2013م بدأ حسين تصدير البن اليمني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويسعى اليوم إلى إنشاء مركز بحثي لتطوير أساليب الإنتاج الزراعي للقهوة الأصيلة، بإعادة محصول البن اليمني إلى الأسواق العالمية.
مبادرات ريادية
المبادرة الأهم على طريق استعادة المجد الحضاري للذهب الأسمر (البن) تتمثل في ما أوضحه رجل الأعمال اليمني العزي المري- من أبناء منطقة حراز- وهو أن ثمة ثورة حقيقية ستنتصر لثورة اليمن السمراء، مؤكداً أن بوادر هذه الثورة السمراء قد بدأت منذ ثمان سنوات في أشهر مناطق زراعة البن اليمني (حراز)، حيث قام أبناء قريتي «جرمة» و«صعود» -عزلة حراز -مديرية مناخة- محافظة صنعاء- تبعد عن العاصمة 120 كم- باقتلاع 300 شجرة قات عملاقة كانت تحتل 500 فدان من المدرجات الزراعية الخصبة، وإحلال شجرة البن بدلا عنها، وهي أول مبادرة يمنية ذاتية.
وتعد هذه المبادرة -التي احتضنتها مؤسسة (إرادة.. لوطن بلا قات) – باعث أمل ودافعاً لليمنيين حكومة وشعباـ وأحزاباً سياسية وطوائف دينية وقبلية، إذ لقيت هذه الحملة دعماً وتشجيعاً كبيرين من سلطان طائفة البهرة الدكتور مفضل سيف الدين الذي دشن الحملة ولا يزال اليوم يتابعها برعاية واهتمام، مقدماً العون الكبير للمزارعين الذين يتجاوبون مع هذه الحملة من خلال منحهم قروضاً وفسائل لأشجار البن، وتوفير مشاتل، بالإضافة إلى دعم عملية تسويق محصول البن.
إن هذه المبادرة ببداياتها المفارقة لحجم التحديات الاقتصادية، والفقر المائي الذي فرضه القات بما يستنزفه من أضعاف مضاعفة مما تأخذه أشجار البن، وبما يمثله من مواكبة إنتاجية لمقتضيات الاقتصاد المعيشي السريع، إذ يمثل مورداً على مدار السنة، وبإمكان مزارع القات أن يجني المال كل شهرين شريطة وفرة المياه والأسمدة والسموم للشجرة، بينما ثمرة البن موسمية ومرهقة في الرعاية، وهذا سيجعل الفكرة برمتها أمام محك جدلي بين الناس رفضاً لفكرة التخلي عن القات.. لكن هذه المبادرة الريادية ستأتي ثمرتها بعد عقود بسيطة، وستجعل من أبناء حراز أهم منتجين للبُّن اليمني في القرن الواحد والعشرين، وهنا ستبدأ ثورة سمراء جديدة لاستعادة مجد البن الحضاري، وتبعاً لذلك يجب على أجهزة الدولة التقاط شرارة هذه الثورة ودعم المزارع وتوفير الإمكانيات الزراعية اللازمة لزراعة المحصول الذي غزا العالم، بجودته العالية وما يزال هو الأغلى والأكثر رواجاً عالميا.
اهتمام قيادي وحكومي
حاليا يحظى محصول القهوة (البن) باهتمام كبير على المستوى القيادي والحكومي والشعبي، محاولة من الجميع استعادة واقع إنتاج هذا المحصول الاقتصادي، ففي كلمته الافتتاحية لاستراتيجية تنمية محصول البن الصادرة عن وزارة الزراعة مطلع العام الجاري، حث رئيس المجلس السياسي الأعلى المشير الركن مهدي المشاط ، الحكومة والشعب على المزيد من تضافر الجهود الرسمية والشعبية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات المتنمية المختلفة في سبيل النهوض بواقع الإنتاج الزراعي على مختلف المحاصيل الغذائية والنقدية وصولا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي على طريق الأمن الغذائي.
وأكد المشاط ان محصول البن اليمني هو بحق نكهة أمة وعرق شعب، فأجدادنا كانوا سباقين في اكتشافه وزراعته واعتمدوا عليه في دخلهم المعيشي وإدخاله كسلعة تجارية تصدر من موانئ اليمن واشهرها ميناء المخا الى انحاء العالم، ومن خلاله سجَّلت اليمن حضورا متميزا على المستوى العالمي في تجارة البن بعد ان اكتشفت جودته العالية .. معربا عن سعادته بما تضمنته الاستراتيجية من رؤى وخطط سيكون لتنفيذها بالغ الأثر الكبير مستقبلا في تعزيز زراعة وإنتاجية محصول البن الذي يتصدر اهم المحاصيل الاقتصادية في بلادنا..
سعي حثيث
وفي وزارة الزراعة والري التقينا بوزير الزراعة والري المهندس عبدالملك الثور، الذي أكد سعي الوزارة إلى رفع إنتاجية وتحسين جودة البن والوصول بصادراته إلى نحو 50 ألف طن بحلول العام 2025م، من خلال استراتيجية تنمية هذا المحصول النقدي المهم.. لافتا إلى أن الاستراتيجية تهدف إلى زيادة المساحات المزروعة بالبُن وكذلك زيادة إنتاجية وحدة المساحة المزروعة بهذا المحصول النقدي وتوجيه البحوث نحوه لتحقيق أعلى إنتاجية لوحدة المساحة والحفاظ على جودة المنتج، بخلاف تحسين طرق التصدير وزيادة الكميات المصدرة من محصول البٌن والعملة الصعبة لفائدة الاقتصاد الوطني..
وأوضح الثور أن استراتيجية تنمية محصول البن التي أقرها مجلس الوزراء في مايو الماضي تشتمل على البرامج الاستراتيجية لتنمية إنتاج البُن والخطة التنفيذية للاستراتيجية مع التحديد العلمي المنهجي للنتائج المتوقعة منها، مؤكدا أن العمل التنفيذي يجري على قدم وساق في مسار تنفيذ المرحلة الأولى للرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة التي أكد محورها الاقتصادي على ضرورة النهوض بقطاع الزراع سواء على مستوى المحاصيل الغذائية والنقدية كالبن أو على مستوى الثروة الحيوانية.
من نص الاستراتيجية:
ووفقا لاستراتيجية تنمية إنتاج محصول البن خلال الفترة من 2019 – 2025م إنتاج وزراعة 13 مليون شتلة بما يعمل على زيادة المساحة المزروعة نهاية الفترة بمقدار خمسة آلاف و200 هكتار، وزيادة حجم الإنتاج من 19 ألفاً و286 طناً حالياً إلى 50 ألفاً و424 طناً بحلول العام 2025م وإنتاج وزراعة 13 مليون شتلة على مدى 6 سنوات بما يعمل على زيادة المساحة في نهاية الفترة بمقدار خمسة آلاف ومائتي هكتار وزيادة حجم الإنتاج من 19 ألفاً و286 طناً حاليا إلى 50 ألفاً و424 طناً بحلول 2025م.. فيما سترتفع مساحة زراعة البن في اليمن من 34 ألف هكتار إلى 43 ألف هكتار خلال الفترة نفسها، كما سترتفع الصادرات من ثلاثة آلاف طن إلى 40 ألفاً و441 طناً بحلول 2025م .
ويُعول على الاستراتيجية النهوض بزراعة البن في اليمن من خلال عدة تدخلات لوزارة الزراعة والري منها إنشاء الإدارة العامة للبن التي تعمل على تنفيذ كل برامج الاستراتيجية وإعداد مسح شامل لمناطق زراعة البن في مختلف المحافظات، إلى جانب إطلاق مؤتمر سنوي عن البن وسبل رفع الإنتاجية وتحسين الجودة، بالإضافة إلى إصدار وزيري الزراعة والري والصناعة والجارة قراراً بمنع استيراد البن وقشوره.
وتركِّز الخطة التنفيذية للاستراتيجية على إنتاج مليون شتلة سنوياً وتوزيعها على المزارعين في مناطق زراعة البن، وإنشاء مشاتل متخصصة في إنتاج الشتلات بمناطق زراعته تصل إلى 15 مشتلاً مركزياً و150 مشتلاً قروياً تكفي مع المشاتل الكبيرة لإنتاج مليوني شتلة سنوياً، فضلاً عن توفير ما يلزمها من مستلزمات الإنتاج على مدى سنوات الاستراتيجية.. كما ستعمل الاستراتيجية على إعادة تأهيل المشاتل القائمة وتوفير ما يلزمها من مستلزمات الإنتاج سنوياً وكذا بناء وتشييد خزانات مياه وحواجز مائية لحصاد مياه الأمطار وتوفير شبكات ري تكميلي لمحاصيل البن.
وستتم إعادة وتأهيل وصيانة البرك والمدرجات الزراعية في مناطق زراعة البن، وتركز برامج الاستراتيجية على تعميم ونشر التقنيات الحديثة في زراعة المحصول وتأسيس مركز بحوث البن وتدريب المزارعين على استخدام الطرق الحديثة في معاملات محصول البن وطرق مكافحة الآفات لرفع الإنتاج وتحسين الجودة.
وبحسب الاستراتيجية، سيتم إعداد وتنفيذ برامج إرشادية وتوعوية حول تحسين الإنتاج والجودة وإنشاء مراكز إعداد صادرات البن في أربعة مراكز بالتنسيق مع القطاع الخاص، إضافة إلى تشجيع إنشاء الجمعيات التعاونية الزراعية المتخصصة في تنمية إنتاج البن.
وتركز الاستراتيجية على تشجيع إنشاء الجمعيات التعاونية الزراعية المتخصصة في تنمية إنتاج البن وتنمية القدرات التنافسية التصديرية في الأسواق الخارجية من خلال المشاركة في المعارض الدولية والاجتماعات الدورية لمنظمة البن العالمية، وكذا البحث عن مصادر تمويل لمشروع الإدارة المتكاملة للمحصول وفتح مكتب للبن في وزارة الصناعة والتجارة لتحسين أنشطة تصدير هذا المحصول.. هادفة من ذلك إلى التغلب على التحديات التي تواجه زراعة البن والتي من أبرزها شحة مياه الأمطار ومحدودية الأراضي الزراعية في المرتفعات وتحول الكثير من أراضي زراعة البن إلى زراعة القات.. إضافة إلى صعوبة نقل التكنولوجيا الحديثة في إنتاج البن والاستثمار المحدود في هذا الجانب، إضافة إلى عدم وجود أبحاث متخصصة في مجال البن.

قد يعجبك ايضا