الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

البعد الاستراتيجي لنجاح التجربة الصينية في مكافحة فيروس كورونا

طريق الحرير الصحي

 

د. عبدالغني جغمان*

يعد دفع قضية الصحة العالمية جزءاً هاماً لتنفيذ خطة التنمية المستدامة في عام 2030م، ففي خطابه أمام برلمان أوزبكستان في الثاني والعشرين من يونيو عام 2016م، طالب الرئيس شي جين بينغ بتركيز القوى على تعميق التعاون في العلاج الطبي والرعاية الصحية، وتعزيز التعاون المتبادل المنفعة في مجالات نشر المعلومات حول حالات الأوبئة والوقاية من الأمراض والسيطرة عليها والإنقاذ الطبي والطب التقليدي والأدوية التقليدية، وبناء طريق الحرير الصحي بصورة مشتركة، والذي يعد جزءاً من مشروع خط الحرير القديم بنسخته العصرية (الحزام والطريق) والتي هي عبارة عن رؤية اقتصادية سياسية تنموية أمنية جديدة تعيد لهذا العالم اتزانه وتصب في مصلحة الشعوب بآسيا والمنطقة العربية والعالم بعد كسر إرادة أمريكا وبريطانيا واليهود وحلمهم بالسيطرة على مصادر الثروة الطبيعية في العالم وخصوصا الموارد الطبيعية في الدول العربية.
وفي الثامن عشر من يناير عام 2017م، وقعت حكومة الصين ومنظمة الصحة العالمية مذكرة تفاهم حول التعاون بين الجانبين في مجال الصحة لـ”الحزام والطريق”، الهدف الرئيسي لطريق الحرير الصحي هو رفع المستوى الصحي لجميع الدول الواقعة على طول “الحزام والطريق”، وتشمل الإجراءات الرئيسية في هذا المجال: تعزيز التشاور والتبادل بين الدول الواقعة على طول “الحزام والطريق” في سياسات الأنظمة الصحية والمعايير والمقاييس الدولية في مجال الصحة، وتعزيز التعاون في الوقاية من الأوبئة الهامة والسيطرة عليها، وتعزيز تدريب الأفراد، ودفع مزيد من المنتجات الطبية والأدوية المصنوعة في الصين لدخول السوق الدولية، وجعل المنتجات الطبية والأدوية الصينية الجيدة النوعية والمنخفضة السعر تفيد شعوب الدول الواقعة على طول “الحزام والطريق”، وغيرها.
في جعبة الصين الكثير مما يمكن أن تقدمه للعالم في مجال الصحة، فهي أحد قادة العالم في مجال ترصد الأمراض ومكافحة الفاشيات، وكانت من أوائل البلدان التي تدخلت في أثناء فاشية الإيبولا، حيث أنشأت الصين نظاماً تأمينيًّا صحيًّا على الصعيد الوطني يشمل أكثر من 95% من السكان، ويتمتع البلد أيضاً بقدرة كبيرة على البحث والتطوير، وكان من أوائل البلدان في تحقيق الهدف الخاص بصحة الأمومة ضمن الأهداف الإنمائية للألفية.
الصين تساعد العالم في محاربة فيروس “كورونا”..
في الوقت الذي يجتاح فيه فيروس كورونا جميع أنحاء العالم ويتسبب بإغلاق الأسواق وبوقف الطيران وبحرمان مئات الملايين من الأطفال من التعليم، تبدو الحكومات في حاجة ماسة إلى سبل لاحتوائه، ويبدو أن الصين، الذي ظهر فيها الفيروس لأول مرة، لديها الوصفة لاحتواء الوباء.
بعدما كانت مدينة ووهان الصينية مركز انتشار فيروس كورونا المستجد، وأصبحت الصين بعد ذلك الدولة التي تحوي أكبر عدد من المصابين وحالات الوفاة حول العالم على مدى الأشهر الماضية، واتهمتها أوروبا وأمريكا على إثر ذلك، بأنها السبب في انتشار الفيروس حول العالم، معللين ذلك بأنها لم تكشف عنه منذ البداية.
ومع الانتشار الكبير وتضخم عدد الإصابات والوفيات، سارعت العديد من دول العالم لإظهار تعاطفها وإرسال المساعدات الطبية للصين من أجل مواجهة هذا الفيروس المخيف، إلا أن الصين وبفضل الإجراءات الصارمة وتضافر الجهود الشعبية مع الحكومية بالإضافة إلى قوة النظام الصحي والإجراءات التي اتخذتها الحكومة منذ ظهور الفيروس، وتسخير ترسانة القدرات التكنولوجية الصينية التي استُخدِمَت في مواجهة كوفيد – 19 كان مذهلاً واستثنائياً. وأسهمت كل تلك الوسائل التقنية في تحسين فعالية وكفاءة الخطة الصينية لمكافحة الوباء، وتمكنت الصين من حصر الفيروس وتقليل عدد الإصابات والوفيات بشكل كبير جدا، بل بدأت في تصدير تجربتها في محاربة الفيروس، وأرسلت المساعدات للعديد من الدول التي انتشر فيها الفيروس، وكذلك في حماية العناصر البشرية من التعرض المباشر للكثير من مصادر الخطر.
حيث قرر الرئيس الصيني شي جين بينج على وجه السرعة إرسال مجموعات من الخبراء الطبيين والمساعدات الإنسانية إلى دول أوروبا خاصة إيطاليا، التي تحتل المركز الثاني عالمياً من حيث عدد الإصابات والوفيات جراء انتشار فيروس كورونا، كما أرسلت الصين مليون قناع واق لفرنسا في حين تواجه البلاد نقصا منه، وإرسال عدد من معدات الحماية الشخصية إلى هولندا وبلجيكا، وفتحت قنوات تجارية لاستيراد معدات الحماية الشخصية والمواد الطبية الضرورية الى اسبانيا.
من جانبها، أعلنت المفوضية الأوروبية أن الصين سترسل مساعدات طبية إلى دول الاتحاد الأوروبي للمساعدة في مكافحة فيروس كورونا، موضحة أن بكين سترسل 200 ألف قناع طبي ومليوني قناع جراحي و50 ألف اختبار سريع لفيروس كورونا إلى الاتحاد الأوروبي.
وخارج أوروبا قامت الصين بإرسال أكثر من ١٨ شحنة طبية الى طهران وكذا إرسال مُستلزمات الفحص المختبريّ لفايروس كورونا وبدلات للوقاية وكمامات ومستلزمات طبية أخرى تصل إلى 6 أطنان للعراق، وقررت الصين إرسال فريق طبي ومعدات تتمثل في كمامات ومواد معقمة ومطهرة إلى تونس، وافتتح السفير الصيني في لبنان جهازي فحص في مطار بيروت الدولي للكشف على مرضى كورونا بالإضافة إلى غيرها من التقديمات الطبية للبنان، كما أرسلت الصين مساعدات طبية لفلسطين لمساعدة وزارة الصحة الفلسطينية على احتواء كورونا، فضلا عن التواصل الدائم مع الحكومة الفلسطينية لمتابعة انتشار هذا الوباء.
وفي آسيا وعلى الرغم من تقدم هاتين الدولتين “اليابان وكوريا الجنوبية” وما تمتلكانه من قدرات هائلة صناعياً واقتصادياً وطبياً، إلا أن الصين قدمت الدعم للعديد من الدول بمواجهة فيروس كورونا، فقد تم إرسال مساعدات عاجلة إلى كل من اليابان وكوريا الجنوبية، شملت آلاف الكمامات والبدلات الواقية، وأعلن وزير خارجية الفلبين تيودورو لوكسين جونيور، أن الصين سترسل مائة ألف أداة اختبار لكشف الفيروس، وعشرة آلاف قناع طبي، وعشرة آلاف رداء وقاية، ومائة ألف قناع جراحي.
وتواصل الصين تقديم المساعدة، وإيفاد خبراتها للدول المتضررة من فيروس كورونا، بعد أن تمكنت من السيطرة عليه، والحد من انتشاره في البلاد التي شهدت مهد ظهور هذا الوباء القاتل.
الأبعاد الاستراتيجية لطريق الحرير الصحي
مما سبق .. يتضح أن قدرات الصين الصحية تجاوزت التغلب على الوباء على أراضيها واحتواءه وإيقاف انتشاره بل التوجه لمحاربته خارج أراضيها وتقديم العون إلى اغلب الدول المتضررة بشكل كبير. الأمر الذي يقدم الصين حالياً كقوة صحية وطبية إلى جانب كونها ثاني أكبر اقتصاد في العالم يساهم في ثلث الإنتاج العالمي .. دولة لها نظم صحية قادرة على الصمود، تحدد درجة تفاقم الأوبئة والأزمات الأخرى وتحتويها وتمنعها، وترسي الحصائل الأساس للخدمات الصحية الأساسية المطلوبة لضمان الرعاية الصحية الشاملة، وهي تعزز آليات التعاون المطلوبة إذا أردنا أن نرسي دعائم الأمن الصحي على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ولهذا، ستقوم هذه الدول بمحاولة الاستفادة من هذه الخبرات والانضمام إلى طريق الحرير بشقيه الاقتصادي والصحي وسيكون التهافت على الانضمام كبير لا سيما بعد فشل الدول الأوروبية في اثبات التعاون فيما بينها كما جاء على لسان الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في خطابة مساء الـ15 من مارس، حيث أعلن فيه أن بلاده قد دخلت حالة الطوارئ، ووجه نداء عاجلا إلى الصين، أملا في الحصول على مساعدة فيما يتعلق بالتقنية والمواد الطبية والصحية. ووصف فوتشيتش التضامن الأوروبي بأنه “قصة خيالية”، وأثنى على الصين، قائلا إنها الدولة الوحيدة التي ستمد يد العون، رداً على ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قينغ شوانغ في الـ17 من الشهر الحالي في المؤتمر الصحفي الدوري :إن الصين ستقدم مساعدات مادية وسترسل خبراء إلى صربيا لمساعدتها في مكافحة “فيروس كورونا أو كوفيد-19”
ومن باب المتابعة … من يوم 21 مارس، وصل فريق طبي مؤلف من 6 خبراء صينيين إلى مطار نيكولا تيسلا الدولي في بلغراد بصربيا لمساعدة الأخيرة في مكافحة فيروس كورونا الجديد، ومعه أكثر من عشر أطنان من أجهزة التنفس والكمامات الطبية وصناديق الكشف عن فيروس كورونا الجديد أرسلتها الحكومة الصينية، وقد استقبل الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش أعضاء الفريق الطبي واحدا تلو الآخر في مراسم رسمية، معربا عن ترحيبه الحار وشكره الصادق لهم، كما قام الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش بتقبيل العلم الصيني إعرابا عن امتنانه العميق لدعم ومساعدة الصين حكومة وشعبا لبلاده خلال هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها صربيا، فهل نتخيل عن حجم التعاون المستقبلي الذي سيكون مع الصين، وكيف سيفتح لها العالم أبوابه؟
وفي المقابل وبرغم الحنق والحملات الإعلامية التي تشنها أمريكا على الصين بعد ان تفشى الوباء في أمريكا وفشلت الحكومة في السيطرة على الفيروس وفقا لتقرير عن إندبندنت البريطانية، إلا أن مستشارة الأمن القومي الأمريكية السابقة سوزان رايس اتهمت الرئيس دونالد ترامب بالفشل في اتخاذ الاستعدادات المناسبة ضد فيروس كورونا الجديد رغم التحذيرات المسبقة، وخصوصا بعد ما قررت إدارة ترامب حلَّ مكتب امن الصحة العالمية والدفاع البيولوجي الذي اسسه الرئيس الأسبق أوباما وقام ترامب بحلّه في عام ٢٠١٨م والذي تسبب في بطء استجابة إدارته لتفشي فيروس كورونا الجديد.
وأخيرا .. نتوقع تغيراً في موازين القوى لصالح التنين الصيني، بعدما ترجمت السلطات الصينية تعهداتها إلى واقع ملموس في مجال التعاون الدولي. وبهذا تبني الصين طريق الحرير الصحي الموازي والمرافق لطريق الحرير الاقتصادي، الذي تراهن عليه بكين لهيكلة التجارة العالمية خلال العقود المقبلة، وعملياً، أصبح عدد من دول العالم تدق باب الصين للحصول على التجربة الصينية لمحاربة كورونا.
يحدث هذا في وقت يتراجع فيه دور الولايات المتحدة لريادة العالم بعد فشلها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط، ومؤخرا في مواجهة هذا الفيروس نتيجة مواقف رئيسها دونالد ترامب الذي تثير غضب الرأي العالمي، فقد اتهم في البدء الحزب الديمقراطي بالتهويل لهذا الوباء لضرب الاقتصاد الأمريكي لأهداف انتخابية، ثم عاد إلى منح الفيروس الجنسية الصينية، وأخيرا أراد الاستحواذ لبلاده فقط على اللقاح الذي قد تنتجه شركة ألمانية لمواجهة الفيروس، وهو ما شكل فضيحة عالمية ولا تزال تتوالى فضائح الإدارة الأمريكية يوماً بعد يوم.
*استشاري في مجال التنمية المستدامة

قد يعجبك ايضا