الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

الأحزاب “الدينية” قدم راسخة في حكومة الكيان

د. مصطفى اللداوي
لا تشعر الأحزاب الدينية اليهودية التي تمثل أكثر من مليون مستوطنٍ إسرائيلي، بأدنى قلقٍ تجاه أي حكومةٍ إسرائيليةٍ تتشكل، فهم الثابت الوحيد فيها، والحاضر أبداً في مجلسها، سواء كان لهم وزراءٌ فيها، أو كانوا يؤيدونها من خارجها، ويدعمون سياستها، ويحُولون دون سحب الثقة منها وسقوطها، فهم في الائتلافات الحكومية على مدى عمر الكيان أقوياء، رغم أنها أحزابٌ عديدةٌ وأطرٌ مختلفة، إلا أن القواسم بينها كثيرة، والمشتركات عندها عديدة، فما يجمعها أكثر مما يفرقها، كونها أحزاباً تقوم على المفاهيم الدينية والمعتقدات التوراتية، التي تجمع شتاتها وإن تعددت أسماؤهم أو اختلفت أحزابها.
هذه الأحزاب الواثقة المطمئنة، المستقرةُ الثابتةُ، مستفزةٌ مستغلةٌ، انتهازيةٌ ابتزازيةٌ، تكرهها الأحزاب العلمانية وتتمنى الفكاك منها، والخلاص من شروطها وطلباتها، فهي تخافها وتخشى منها، وتعرف شروطها وتدرك أبعادها، التي تنوء بها أحياناً وتعجز عن تحقيقها لهم غالباً، إلا أن رؤساء الحكومة المكلفين يحرصون عليها، ويتوددون إليها، ويصغون إلى شروطها ويلبون طلباتها، ويتحدون الأحزاب العلمانية إرضاءً لها وحرصاً عليها، وإلا فإنهم يتعرضون لسخطها، ويقعون تحت سيف نفوذها الشعبوي وتأثيرها “الديني”، وقد يحرمون أصواتها الانتخابية، وتتحالف ضدهم وتسقط حكوماتهم.
يتطلع بنيامين نتنياهو الأوفر حظاً في تشكيل حكومته القادمة، رغم مشاكله الشخصية والعائلية، والتحقيقات الشرطوية التي تحاصره، والملاحقات القضائية التي تنتظره، إلى التحالف مع الأحزاب الدينية الصغيرة والكبيرة، ويبدي استعداداً لتلبية طلباتها والخضوع لشروطها، إذ لن يضغط باتجاه فرض الخدمة العسكرية عليها، وسيحافظ على امتيازهم القديم منذ تأسيس الكيان بإعفائها من التجنيد.
وسيوفر لهم ضماناتٍ شخصية وحكومية بتوفير منحٍ مالية لمدارسهم الدينية، والالتزام التام بالعطلة يوم السبت، والخضوع لأحكام الشريعة اليهودية فيما يتعلق بقوانين الأسرة والزواج والبنوة والنسبة إلى اليهودية، وتمكينهم من أداء شعائرهم الدينية في الأماكن المقدسة، ومنها حائط البراق والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في الخليل وقبر يوسف وغيرها من الأماكن التي يؤمنون بقدسيتها، ومنحهم حق الإشراف على الطقوس الدينية والتعاليم التوراتية في الجيش، الذي يلزمه حاخامٌ أكبر، وحاخاماتٌ أخرى في الثكنات والمواقع العسكرية، يضمنون فيها الالتزام بتعاليم “الشريعة” اليهودية، قبل أن يمنحوا الجيش وقادته “بركتهم”.
يبدي نتنياهو استعداده للتعاون مع مجموع الأحزاب الدينية، ويتمنى أن تحصل على أصواتٍ برلمانية أكثر، عله يتخلص من استفزاز وابتزاز أفيغودور ليبرمان، وشروط البيت اليهودي المزعجة، أو يبعد عنه كابوس التحالف مع حزب الجنرالات “أزرق أبيض”، الذي من شأنه أن يقصيه عن رئاسة الحكومة ضمن اتفاق تداولٍ للسلطة، أو يجبره على منحهم وزاراتٍ سياديةٍ أكثر، الأمر الذي يجعل نار الأحزاب الدينية أرحم عليه من جحيم ليبرمان الذي كسره مرتين، والذي يتربص به الثالثة، ومن أتون الجنرالات التي تستعر قوةً يوماً بعد آخر.
يدرك نتنياهو أن الأحزاب “الدينية” رغم شروطها القاسية، ومطالبها التي لا تنتهي، وشكواها الدينية الدائمة، إلا أنها لا تنافسه على الزعامة، ولا تنازعه السلطة، ولا تحاول أن تتدخل في العمليات اليومية للجيش، وتقبل منه التزاماً بامتيازاتهم، وضماناً لحقوقهم المالية، وتعهداً واضحاً وصريحاً بمواصلة الاستيطان، وعدم تهديدها بإخراج المستوطنين منها أو تفكيكها، في ظل أي اتفاق سياسي مستقبلاً مع الفلسطينيين، بل إنها تشجعه على مقاطعة الأحزاب العلمانية وعدم التحالف معها، كونها لا تحترم الدين، وتعلي المفاهيم المدنية على حساب التعاليم الدينية، وفي هذا “مخالفة للشريعة اليهودية وإغضابٌ للرب”.
تدرك الأحزاب الدينية اليمينية المتشددة وزنها في الشارع الإسرائيلي، وتأثيرها في الوسط اليهودي، وتعرف حجم أصواتها في صناديق الانتخابات، ولا تخفى عليها حاجة المكلفين بتشكيل الحكومات الإسرائيلية، ودورها في تثبيت حكوماتهم، وعدم تعريضها للهزات وجلسات حجب الثقة، حيث يظهرون فيها وكأنهم مسامير تثبتها وتحفظها رغم أنها صغيرة، ولكنها كثيرة ومتينة، وتثبت نفسها في أماكن ومراحل لا يمكن لمكلفٍ برئاسة الحكومة أن يغفل دورها، أو أن ينكر وجودها ويتجاوز حضورها، ولهذا نراها دائماً في كل حكومةٍ إسرائيليةٍ، تشارك فيها أو تدعمها من الخارج، بشرط وفائها لها وصدقها معها، وإلا فإنها تدعو الرب على الحكومة وتصب لعناتها على رئيسها وأعضائها، وتتحالف مع غيرهم للانقلاب عليها ونزع الثقة منها.
*كاتب لبناني

قد يعجبك ايضا