الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

خديجة بنت خويلد.. أنموذج المرأة الرسالية والزوجة الصالحة

 

أحمد الكحلاني

خلق الله المرأة مشاركة للرجل في كل صفات الإنسانية وميزها بخصائص يتطلبها دورها في الحياة، وأنزل نظاماً قيماً يسير وفقه أناسٌ عرفوا أن الذي خلقهم هو أعلم بما يصلح شأنهم، وفي التأريخ نرى أن الناس قد تفاوتوا في مقدار العطاء الذي سخوا به لإصلاح الناس وإنقاذ البشرية، فهناك من حلّق في سماء التأريخ عطاءً وتضحية وجهادًا وبذلًا، وهناك من هبط إلى أسفل سافلين بخلًا وأنانيةً وحقدًا وكراهيةً ولأجل هذا تفاوت الجزاء، وافترق المصير، ومن يمعن التأمل في التأريخ يجد هناك شخصيات عظيمة لا يستطيع أن يتجاوزها إلى غيرها لما تمزيت به من فضائل وتمتعت به من مكارم.
ومن تلك الشخصيات الخالدة أم المؤمنين (خديجة بنت خويلد) المرأة الطاهرة الفاضلة والتي استطاعت أن تصل بأخلاقها إلى درجة الكمال البشري، وأن تمثل نموذجاً أعلى للمرأة المسلمة في كل صفةٍ حميدة، وفي كل خصلة كريمة.
نسبها: هي خديجة بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي، أبوها سيد من سادات قريش، وهو سيد بني عبدالعزى كما كان هاشم سيد بني عبد مناف، وقد جمعت السيدة خديجة بين شرف النسب وطهارة الروح، فقد كانت تلقب في الجاهلية بـ (الطاهرة)، وقد اشتهر عن السيدة خديجة صفاة كريمة وخِلال عظيمة لا تكاد تجتمع في امرأة، فقد اشتهر أنها عاقلة لبيبة، حازمة شريفة، جليلة كريمة، ويبدو أن رجاحة العقل هي الصفة الأساسية التي ميزت السيدة خديجة، وهذه الصفة كانت منبع سائر صفاتها الكريمة، وهي سر عظمة هذه المرأة، والتفاوت بين الناس إنما يكون بسبب اختلافهم في إعمال عقولهم التي أودعها الله فيهم، وهذه الصفة ستتجلى أكثر في السيدة خديجة بما سنذكره عنها من مواقف مع رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ.
ثراء أم المؤمنين خديجة
عرف في كتب السير أن خديجة عليها االسلام كانت ذات ثراء كبير، وكانت تسير القوافل التجارية إلى الشام، وتختار الرجال ليذهبوا بقوافلها وتضاربهم على شيء يكون لهم.
سمعت خديجة بصفات النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ وأنه اشتهر بصدق الحديث وعظيم الأمانة، وكرم الأخلاق، وكان ذلك قبل البعثة بما يقارب خمسة عشر سنة، ولأنها امرأة حازمة عاقلة لم تكن الفرصة لتفوتها في تجارتها، فأرسلت إلى رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ أن يخرج في مالها على أن تعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار، وأرسلت معه غلامها ميسرة، قَبِلَ النبي هذا العرض وخرج إلى الشام بالقافلة وعندما عاد إلى مكة وجدت خديجة أن ربح تجارتها قد بلغ الضعف أو كاد، ورأت حياءه صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ حين جاء وسلمها أموالها بأماناتها وذهب مطرقاً لم يلتفت لمالها ولا لجمالها، وسمعت من غلامها ميسرة من عظيم أخلاقه وعفته وكراماته ما جعلها ترغب فيه.
تزويج النبي بخديجة:
أجمعت المصادر التأريخية على أن خديجة عليها السلام كانت أوسط قريش نسبًا وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكان رجال قريش وساداتها يرغبون بالتزوج منها لشرفها وليسارها، ولكنها كانت ترفضهم لأنها قد خبرت أكثر رجال ذلك الزمان، وكانت قد تزوجت من قبل برجلين هما أبي هالة (هند بن النباش بن زرارة) وولدت له هند بن أبي هالة (سمي باسم أبيه)، والآخر هو (عتيق بن عبدالله بن عمر بن مخزوم) ولكنها وجدت في رسول الله رجلًا آخر، تفرد بصفات وكأنه ليس من أبناء ذلك الزمان، فوجدت عليها السلام ظالتها المنشودة، وبغيتها المقصودة، وحدثت بما في نفسها لصديقتها نفيسة بنت منية، وهذه حدثت رسول الله تفاتحه بأن يتزوج بخديجة، قَبِل النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ هذا المقترح وحدّث أعمامه أن يخطبوا له خديجة عليها السلام، ذهب عمه أبو طالب سيد مكة وعمه الحمزة وغيرهم إلى عم خديجة عمرو بن أسد لأن أباها كان قد توفي قبل ذلك في (حرب الفجار) وخطب أبو طالب في ذلك المقام قائلًا: (ثم إن محمد بن عبدالله لا يوزن برجلٍ من قريشٍ إلا رجح به، ولا يقاس بأحدٍ منهم إلا عظم عنه، ولا عِدل له في الخلق، ولإن كان مقلًا في المال فإن المال ورقٌ حائل وظلٌ زائل، وهو بإذن الله كفؤ وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه كذلك والصداق ما أرادت وشاءت)، فمهرها رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ عشرين بكرة كما روى ذلك ابن هشام في سيرته.
وهكذا هيأ الله لرسوله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ أن يتزوج بأكمل النساء وكأن الله علم أنه لن يناسب محمدًا ولن يستوعب تفكيره، ولن يؤنس وحشته إلا قلب خديجة عليها السلام، ولقد كان زواجًا مباركًا رغم تفاوت السن فرسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ كان في الخامسة والعشرين، وخديجة عليها السلام كانت في الأربعين، لكن اتحدت أرواحهما وأهدافهما فكانا روحاً في جسدين يكمل كل منهما الآخر، وقد كانت خديجة عليها السلام تبادر إلى كل ما يريده محمد، فعندما زارته أمه من الرضاعة (حليمة السعدية) رضي الله عنها ، وشكت إليه جدب الزمان، كلم رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ زوجته خديجة في ذلك فبادرت الزوجة الصالحة وأعطت حليمة أربعين شاة وبعيرًا واحدًا، وهذا الكرم يعكس كيف كانت تفكر هذه المرأة الصالحة وكيف كانت تعرف أن رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ يحب أن يرد بعض الجميل للأم التي أرضعته صغيرًا، فبادرت في إكرامها لتطيب بذلك نفس رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ، ولقد سعت خديجة عليها السلام إلى شراء (ثويبة) جارية أبي لهب التي أرضعت رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ لكي تعتقها، ولكن أبا لهبٍ رفض أن يبيعها، ومن هنا تعرف عمق أواصر المحبة التي كانت بين خديجة وبين رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ، فقد أصبح تفكيرها منسجماً مع تفكيره، تعرف أنه يحب أن يرد الجميل لكل من أحسن إليه، فتبادر هي إلى ذلك قبل أن يطلب منها رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ ذلك.
ومن مظاهر الإنجسام العظيمة بين هذين الزوجين هو أنه عندما كان رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ يختلي للتأمل والتفكر في غار حراء، كانت خديجة خير معين له، تزوده بالطعام والشراب، وفي بعض الأحيان تذهب بنفسها إليه بالطعام والشراب، بل وتزوده أكثر مما يحتاج لكي يطعم كل من يمر عليه، لأنها تعلم أن رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ يحب الإحسان إلى الناس، فلقد تقارب تفكيرهما حتى أنها لم تنزعج من رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ حين يتركها وحيدة ويذهب للإختلاء في غارٍ مبتعدٍ عن الديار وعن الناس، ولم يصدر منها أي تذمرٍ تجاه زوجها لاعتزاله المجتمع الجاهلي، بل إنها بفطرتها السليمة كانت تعرف عظمة عقل هذا الرجل وعظمة صفاته وأخلاقه، فكانت له خير معينٍ في خلواته.
السابقون السابقون:
في بداية بعثة الرسول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ عندما اختاره الله للرسالة وكرمه بالنبوة وشرفه بالوحي ذهب إلى خديجة عليها السلام مرتعدًا خائفًا يقول: “زملوني زملوني، دثروني دثروني” لأن الأمر خطير والشأن جليل ليس بالهين، إنها الرسالة.
وهنا يتبين لنا عظمة خديجة عليها السلام مرة أخرى، ورجاحة عقلها في مثل هذه المواقف، فقالت تلك المقولة المشهورة الخالدة: (ابشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق) بهذه الكلمات الحانية تسري عن رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ وتخفف من حدة المفاجأة وتثبت قلب زوجها الكريم، لأنها تعلم أن من يحمل هذه المواصفات الجليلة من كان صادق الحديث، سريع النجدة، سخي اليد، شريف النفس، كثير الإحسان، فلا يمكن أن يخذله الله أبدا، ولا يمكن أن يتركه أبدا، إنها تكشف للتأريخ سنةً من سنن الله التي لحظتها واقتنعت بها ورسخها في نفسها زوجها النبي العظيم.
ومن هذه اللحظة آمنت خديجة برسالة محمد صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ وحازت شرف السبق على هذه الأمة بأسرها، وللسابقين فضلهم الخاص والمتميز في كتاب الله سبحانه حين قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وهي أول شخص تعلم من رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ الوضوء والصلاة وصلى معه، وكذا عليٌ بن أبي طالب ابن عمه جاء في الرواية عن عفيف الكندي أنه كان عند العباس بن عبدالمطلب فجاء رجل معه امرأة وغلام فصلى أمام الكعبة فقال للعباس أي شيء هذا، فقال العباس: هذا ابن أخي يزعم أنه نبي لم يتبعه على دينه إلا زوجته هذه (أي خديجة) وابن أخي هذا الغلام (أي علي بن أبي طالب).
ومن هنا بدأت المعاناة والضغوط تنهال على هذه الأسرة الكريمة فلم يكن على وجه الأرض أسرة تؤمن بالدين الجديد إلا هي.
ولقد رسخ الإيمان في قلب هذه المرأة حتى أنها ثبتت ثبات الراسيات مع زوجها وبذلت في سبيل دعوة الإسلام مالها كله، ولم تكن المسألة مسألة مالٍ فقط، فقد كانت خير من يؤازر رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ في دعوته، ويخفف عنه ما يكابده من قومه، وتواسيه في خلواته، وتؤنسه في وحشته، فقد جاء في الرواية (أن خديجة عليها السلام آمنت به وصدّقت ما جاء به ووازرته على أمره وكانت أول من آمن به فخفف الله بذلك عن نبيه صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ لا يسمع شيئاً مما يكره فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس رحمها الله).
مشاركتها في مكاره الدهر:
عندما حاصرت قريش بني هاشم في شعب أبي طالب ومنعت أي بيعٍ أو شراءٍ أو نكاحٍ منهم ووقعت على ذلك وثيقةً، كانت خديجة تخفف عن رسول الله بمالها وأيضاً بما لها من العلاقات التجارية مع كثير من سادات قريش، فقد ورد في الرواية أن ابن أخٍ لها وهو حكيم بن حزام بن خويلد، جاء بغلام له يحمل قمحًا يريد أن يوصله إلى عمته خديجة أثناء الحصار فلقيه أبو جهلٍ فتعلق به وقال له: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هاشم بن الحارث فقال: مالك وله، فقال أبو جهل: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال أبو البختري: طعامٌ كان لعمته عنده، فبعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها.
وفي رواية أخرى أنها أرسلت إلى زمعة بن الأسود: أن أبا جهل يمنع من ابتياع ما نريد فأسمعه كلامًا، قال الراوي: فأسمعه فامتنع.
وهكذا سعت أم المؤمنين إلى تخفيف جزءٍ كبير من آثار ذلك الحصار الجائر المفروض على رسول الله ومن آمن معه.
فضائلها:
وهكذا استمرت أم المؤمنين سلام الله عليها في كفاحها في سبيل الإسلام، ولقد جاءت إلى رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ وهو في غار حراء بطعامٍ وإدام فنزل جبريل إلى رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ فقال: (يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناءٌ فيه إدام أو طعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عزوجل ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصبٍ لا صخب فيه ولا نصب) فقالت خديجة عليها السلام: الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام.
الله العظيم يقرئ السلام على امرأة تساعد رسوله الكريم في دعوته، أي عظمة وصلت إليها هذه المرأة، وأي درجة رفيعة بلغتها هذه الزوجة.
وقد جاء عن رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ أنه قال: “سيدات نساء العالمين أربع، مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد” ، وفي رواية أنه صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ قال: “خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد”، ولكرامتها عند رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ لم يتزوج عليها غيرها مدة حياتها إكرامًا لها وإجلالًا.
ومن فضائلها أيضاً أن أولاد النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ كلهم منها، القاسم، وعبدالله، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء عليها السلام، إلا إبراهيم فقد كان من مارية القبطية.
عام الحزن:
وفي العام العاشر للبعثة –أي قبل أن يهاجر النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ بثلاث سنوات- يفقد رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ أعز الخلق لديه، زوجته خديجة، وعمه أبا طالب، أي أن المصيبة حلّت عليه في حياته الخاصة وحياته العامة في آنٍ واحد، هاهو يفقد المناصر له على قومه والأنيس له في وحشته، وحزن رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ عليهما حزنًا شديدًا، وسمى ذلك العام (عام الحزن)، وبعد وفاتهما تتالت المصائب على رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ واحدة تلو أخرى حتى منَّ الله عليه بالفرج بالهجرة إلى المدينة المنورة.
الوفاء العظيم:
دفن رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ زوجه خديجة في مكة في منطقة اسمها (الحجون) وكفنها بردائه صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ.
ولم ينس رسول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ معروفها وأخلاقها ومودتها طيلة عمره، فقد جاء في الرواية أن رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ كان يذبح الشاة فيوزعها ويقول اذهبوا بهذه إلى فلانة إنها كانت من صويحبات خديجة.
ودخلت عليه عجوزٌ مرةً فأقبل النبي عليها وأحسن استقبالها، فلما ذهبت سئل رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ عن سبب هذا الاحتفاء فقال: ” إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان”.
ولقد عرفت هذا الوفاء زوجات النبي بعد خديجة حتى قالت أم المؤمنين عائشة: (ما غِرتُ على أحدٍ من أزواج النبي ما غِرْتُ على خديجة وما رأيتها ولكن كان رسول الله يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها إلى صدائق خديجة)، وفي رواية أخرى أنها قالت: (وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها الولد).
وعندما ذكرها مرةً قالت عائشة: (قد أبدلك الله خيرًا منها، فغضب النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ وقال: والله ما أبدلني الله خيرًا منها وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء).
ومن يتأمل هذه الروايات يعرف ما كان يحمله النبي في قلبه من جميل العرفان وعظيم الامتنان لهذه المرأة الطاهرة ودورها الكبير في مسيرة حياة هذا النبي الكريم حتى كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة ليتذكرها ويتذكر حتى صديقاتها ويحسن إليهن برًا بتلك الزوجة الكاملة في كل صفاتها، إنه الوفاء في أوضح صورة وأبهى تجلياته من نبيٍ عظيمٍ يعرف لكلٍ قدره فيعطي كل ذي حقٍ حقه، فهو لا ينسى تلك المواقف الصعبة وتلك المعاناة المشتركة وذلك الثبات العظيم لخديجة عليها السلام في وقتٍ كفر به الناس وحرموه وحاربوه، ولهذا جاء في بعض الروايات في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ أن الله أغناه بمال خديجة.
وقديمًا قيل: (قام الإسلام على مال خديجة وسيف علي).
هذه هي خديجة عليها السلام وهذا بعض ما ورد فيها، ولكن لماذا تغيب مثل هذه المرأة عن حياتنا، وعن مناهجنا، وعن خطبنا؟
لماذا تغيب كقدوةٍ تقتدي بها نساؤنا وبناتنا، أين بناتنا اليوم من الارتواء من هذا المعين الفياض بكل معاني العظمة والمودة الخالدة والدور الحقيقي للمرأة.
لماذا يراد لجيلنا أن يبقى غائبًا عن هذه القدوات، وأن ينحرف به في مهاوٍ سحيقة تجرد بناتنا عن عفتهن وإنسانيتهن وتشوه فيهن فطرتهن السليمة وفكرهن الصافي واستبدال هذه القدوة بقدوات أخر من الممثلين والممثلات ودعاة النار والقصص الماجنة حتى صارت فتياتنا لا تفكر إلا كيف تقلد الممثلة الفلانية في لباسها أو في كلامها أو في أفعالها.
وأين الإعلام اليوم من إبراز دور سيدات نساء العالمين، وربط ذلك الدور العظيم بواقعنا وتجسيده في حياتنا.
إننا حين نعود إلى تلك النساء الخالدات الكاملات ليس لأننا نرد أن نسرد تأريخًا أو ننبش الماضي بل نسلتهم من حياة تلك النساء عظمة الموقف وسر الخلود وسمو الأهداف وروعة الحياة مع الله ومع رسوله في إطار العفة التي تصون المرأة قبل غيرها وتجعل لها قيمة أمام نفسها وأمام المجتمع من حولها، ولكنّ الغرب اليوم يسعى لإسقاط قيمة المرأة وجعلها متاعًا يباع ويشترى في سوق النخاسة العالمية، وهذا ما نبهنا عليه الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾.

قد يعجبك ايضا