أول جمعة من رجب.. ذكرى إسلام أهل اليمن

 

ناصر المقبل

كثيرة هي نعم المولى جل شأنه الذي ملأ بها هذا الكون الفسيح رحمةً منه وتفضلاً على عباده والتي لا يحصيها مُحص، ولا يعدها عاد إلا موليها قال سبحانه {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} إلا أن أجلها وأعظمها إطلاقاً نعمة الهداية بالإسلام.
فهي نعمة يتحرر بها الإنسان من ربقةِ الوثنية ورجسية الشيطان وولايته إلى دين الله المعبود الحق، والمالك المتصرف لشئون الدارين وإلى ولايته قال تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} ويتحقق بها التكريم والتفضيل العظيمان المنصوص عليهما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا}.
وبهذه النعمة تمايزت الأمم وتفاضل الناس وبنى التاريخ أمجاداً وخلد عظمةً لأناسٍ أفراداً وجماعات منهم من تشرف بذكره ثناء في القرآن الكريم على سبيل الإجمال لا التفصيل، ومنهم من تخلد ذكره على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فممن كان لهم شرف هذا التخليد العظيم والثناء الجميل أهل اليمن الذين كان إسلامهم مثالاً للعقلية الحكيمة ذات النظر الثاقب المتدبر للعواقب فما إن وصلتهم كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجاءتهم رسله وسفراؤه ومبعوثوه حتى استجابوا طائعين بعيداً عن الكبر والعناد والصلف الذي جسدته أمام دعوة النبي قريش وثقيف والطائف وغيرها، وصدوا عن سبيله وحاربوا رسله وأوليائه حتى أنهم عندما تواترت عليهم الحجج والبينات ورأوا المعجزات ازدادوا صلفاً وقالوا: {اللَّـهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم}.
ومن هنا كان لإسلام أهل اليمن طابع خاص ورمزيةً فريدة استحقوا بها أفضل الأوسمة التي منحهم إياها من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن» وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوباً وألين أفئدة»، «الإيمان يمان والحكمة يمانية».
ولم يقتصر إسلامهم على التصديق بالرسالة والإيمان وإقامة الفرائض تاركين النبي يصارع الباطل وحيداً بل سرعان ما تحولوا إلى جنود وفرسان في نصرة الحق وشاركوا الكثير من المغازي والفتوح مع النبي ومن بعده مع أهل البيت كما شاركوا كثيراً من الفتوحات الإسلامية أيام الخلافة.
والحق أن إسلام أهل اليمن كان حدثاً تاريخياً عظيماً حمل من الدلالات والمعاني ما خلد ذكرهم جيلاً بعد جيل وتبطن أسراراً ما زال أثرها جلياً واضحاً في أخلاقياتهم وتعاملهم إلى اليوم من ذلك ما يلي:-
1 – اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكبير بدعوة أهل اليمن وإخباره بأنهم سيأتون أنصاراً وأعواناً، ومن ذلك ما قال صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق حين اعترضتهم في حفرة صخرةٌ عظيمة فأخذ النبي المعول وضربها ثلاثاً فكبر في الأولى، وضرب وسمع لها هدةً عظيمة وقال: «فتحت فارس» وفي الثانية قال: «فتحت الروم» وفي الثالثة قال: «الله أكبر جاء الله بحمير أعواناً وأنصاراً» وكذلك الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم} وفيها ثناءٌ ملموح ومستوحى من عمومها.
والدلالة في هذا أصالة ومعدن أهل اليمن وجودته حتى في الجاهلية وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».
وفي رواية أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «قد بعثتك إلى قومٍ رقيقة قلوبهم فقاتل بمن أطاعك من عصاك».
2 – تحقق مُعجزة النبوة في أهل اليمن في دعوته لهم بالبركة وشهادته لهم بالإيمان والفقه والحكمة وما زالت هذه أسرار ثابتة يتزكى بها الأجيال جيلاً بعد جيل، يبزغ فيها العلماء والفقهاء الأفذاذ ويتبدى فيها ولاء العوام للحق وأهله وما استيقظت فتنةٌ إلا رأيت غالبيتهم مع الحق مجانبين الفتنة ومحاربين أهلها، ومن أكبر الشواهد على ذلك اليوم ثبات غالبية الشعب اليمني ضد الحرب السعودية الأمريكية الظالمة على أهل اليمن على مدى عامين.
3 – اهتمامهم الكبير واحتفاؤهم بهذه المناسبة «إسلام آبائهم» حتى لقد اتخذوا ذكراها عيداً وصارت أول جمعة من شهر رجب الأصب هي يوم عيدهم من كل عام يفرحون ويلبسون الجديد ويتزاورون تعظيماً لهذا اليوم لعلاقته الزمنية بإسلام أهل اليمن وهذا يدل على محبتهم للإسلام وولائهم الصادق.
4 – لقد مثل إسلام أهل اليمن بتلك الصورة الرائعة ضمانةً اجتماعية قوية في محو آثار الجاهلية وتثبيت مبادئ وقيم الدين الإسلامي الحنيف من الحياء والعفة والكفاف والكرم والأمانة والعزة والوفاء والحشمة ما بقي إلى اليوم وما سيبقى إلى يوم القيامة إن شاء الله، ومن هذه الصفات ما يتميز بها اليمنيون من بين شعوب العالم العربية الإسلامية إلى اليوم وهي الحشمة.
ولهذا أرى أن من أهم أسباب هذه الحرب الشنيعة التي تشن اليوم على هذا الشعب هو ثبات الكثير من المعالم الإسلامية العقدية والعبادية والسلوكية والتي عجز الأعداء عن طمسها بالحرب الثقافية وظنوا أنهم يستطيعون طمسها بحرب البارود والنار والإبادة {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون}.
5 – أخيراً من أسرار وعجائب هذه النعمة العظيمة – أعني نعمة الإسلام -، الصمود العجيب والتضحية المشهودة والاستبسال العظيم في مواجهة هذه الحرب الضروس العالمية الباغية.
فليس غريباً على أمة أدرك آباؤها عظمة الإسلام فآمنوا ودخلوا في دين الله أفواجا أن يدافعوا على هذا الدين دفاعاً مراً ويذودوا عنه وينتصروا له على مر الأزمان وحتى اليوم كانوا وما زالوا أنصار الله ورسوله الموعودين بالنصر والتمكين بإذن الله {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز}.
وختاماً نعمة الإسلام كنزٌ لا ثمن له، ومكسبٌ لا وزن له، والمحافظة عليها واجب علينا جميعاً.

قد يعجبك ايضا