الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

قراءة للمجلد التاسع من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر / حسن عبدالله الشرفي

13

 

حاتم شراح

الأستاذ حسن عبدالله الشرفي شاعر بحجم القصيدة يتفصد شعرا من أخمص قدميه إلى أم رأسه ، شاعر أعطى القصيدة من الاهتمام ما لم يعطها غيره أعطى القصيدة كله فأعطته مالم تعط غيره حوى المجلد التاسع من الأعمال الكاملة والذي يعد بمثابة ما لا يقل عن أربعة دواوين شعرية ، حيث حوى 83 قصيدة تكفي العشر منها لتكون ديوانا شعريا ، مثلت مقدمة الديوان حلقة نقاش مع النفس ، والمتلقي ،مثلت مراوحة بين السيرة الذاتية ، والتقديم والاستعراض للتجربة الشعرية التي امتدت 55 عاما حافلا بالعطاء ، كان الشاعر قد تنبه مبكرا إلى ضرورة جمع الدواوين في أعمال كاملة بعد أن كانت متفرقة في ثنايا دواوين متفرقة ، وقد تفنن الشاعر في ضم قصائد لم تكن تحويها الدواوين ، وها هو المجلد التاسع يفصح عن منجز شعري يمثل إضافة نوعية في مدونة الشعر اليمني ، والعربي ، وإذا بدأنا بالعتبات النصية للمجلد فالإهداء مثل عرفانا بالجميل لشخصيات كانت على اتصال وثيق بالشاعر عبد الوهاب الشهاري هذه الشخصية التي يكن لها الشاعر كل التقدير والعرفان بالجميل ، ولا يتناسى ذكرياته ، وما مثله من دفعة قوية في مسيرة الشاعر من حيث التلقي الوجداني ورفع دافعية الشاعر للنشر وكيف كان الصديق العزيز والوفي الذي يمثل رحيله للشاعر خسارة لا تعوض ، وقد مثل رحيله المبكر في حياة الشاعر بقعا دامية تمثلت آثارها في القصائد التي رثاه الشاعر بها قصائد تدمي القلب من كونها تمثل بصدقها النفسي والعاطفي من أجمل وأصدق قصائد الرثاء وتعبر بصدق عن وفاء الشاعر ولا سيما عند فقدان الأصدقاء الذي يعد من أكبر المصائب ، فالأصدقاء الأوفياء تبقى ذكراهم عالقة في الذهن لا تفارق الإنسان ، والأستاذ حسن من أوفى الأصدقاء لديه من أريحية القلب والوفاء ما يجعل الأصدقاء يبادلونه الحب والوفاء . من الشواهد على ما أقول مرثاته لصديقه العزيز والرجل العظيم الذي لازم مجلسه طيلة أكثر من عشرين عاما يقول الشاعر في مطلع قصيدته :
عيدهم وافى ولكن أين عيدي
يا مصابا جارحا أدمى وريدي
عيدهم وافى وعيدي في الثرى
لا يرى حالي في العيد السعيد
صاحبي غاب وخلى صحبه
بيد الذكرى مع الحزن الشديد
فعلا هذا الرجل يستحق ما قاله الشاعر فيه رجل مثقف صاحب رؤية ثاقبة في كل المجالات ، كان للأدب والشعر مكانة في قلبه مما جعله يستأنس وينشرح للنقاشات في قضايا الشعر ، ويدلي بدلوه أثناء التعليق على قصائد شاعر من الشعراء ، وكانت رؤيته صائبة ، وأستدل على ذلك أننا كنا في مجلس الأستاذ وقبل أن نجلس علمنا بأن هناك استقبالا شعبيا في المطار للشاعر معاذ الجنيد ، قام معنا وأوصلنا بسيارته إلى المطار لنستقبل هذا الشاعر الذي أصبح اليوم ألمع شاعر في الساحة ، وفعلا ذهبنا لاستقبال معاذ وعدنا لمجلسنا ، وكان احتفالا شعبيا يستحقه ، ومثل نقلة في مخيلة الشاعر الذي صدقت فيه نبوءات الراحل وكذلك الاستاذ حسن الذي رأي في معاذ شاعرا سيكون له شأن ،
مثلت علاقة الشاعر بالبردوني علاقة ذات أبعاد جمالية ووجدانية فكلاهما مرس الشعر وأخلص له ، كلاهما سلك دربه بمفرده كلاهما واجه موجة تكاد تعصف به وتجرفه للخلف ، ولكن ها هو الزمن يثبت للجميع أن هذين الشاعرين صمدا رغم كل العواصف الهوجاء التي كانت اختبارا لشاعرية الشاعر وإخلاصه للقصيدة ، وتعايشه معها رغم المغريات ، ومسايرة الجو العام ، وعلاقة الشاعرين ببعضهما هي علاقة الشعر بالعمود لقد كان البردوني هو سارية سفينة الشعر وقد أسلمها بعد وفاته لأخيه الشاعر حسن عبدالله الشرفي ، فلولاهما لكانت قصيدة العمود في طي النسيان حيث مثل البردوني مدرسة شعرية شاركه فيها الاستاذ حسن من حيث غنى القاموس الشعري والتراكيب اللغوية والاشتقاقات واستغلال المفردات العامية وتوظيفها في القصيدة ، وكثير من الجوانب الأسلوبية التي تحتاج إلى دراسة مستقلة ، لقد قادا ثلة من الشعراء الذين سلكوا مسلك البردوني والشرفي مما حدا بالشاعر أن يعنيهم في مقدمته .
قصائد الديوان تؤرخ للمرحلة من 2009م ــ إلى 2013م قصائد تحيا مع الواقع وتصفه بدقة متناهية ، فالشاعر يعايش الحدث بطريقته الخاصة ، يكتب ما يعتمل في صدره ويكتبه شعرا ليخلد الحدث سواء كان حدثا خاصا بالشاعر مثل مرثاته لوالدته رحمها الله التي رثاها وهو هناك في الشاهل وفقه الله بأن لازمها فبل وفاتها بفترة ، ومن القصائد ما تحمل هما عاما ، فها هو يفتتح العام 2013م بقصيدة يقول فيها :
عام جديد في زمان أجد
في عالم محتقن بالنكد
في مشهد يلقاك إجرامه
بالويل في أعتاده والعدد
في أمة تقتل أبناءها
ثم تنادي خصمها بالقود
الشاعر أحيانا يلغز في قصائده ، ويفلسف القصيدة ، ويصف رؤيته للحياة ، ويصف مسيرته ، وتجربته الشعرية ، مع القصيدة بشكل يوحي بأن هناك فارسا للقصيدة بحق ، من خلال المفردة الجميلة ، وتوظيف التراث حيث يعتبر الاشتغال عليه يمثل ملمحا اسلوبيا للشاعر ، وفي بعض الأحيان مفردة واحدة قد تغني عن إيراد مثل ، أو سيرة ذاتية مثل قوله في قصيدة :
يا شاري البرق هنا لوعة
وفي الذي بين الضلوع التياع
مر زمان الوصل يا ليته
ما مر في العين ولا في السماع
لكنها الدنيا وما عندها
إلا خداع موغل في خداع
وهنا يشير بمفردة شاري البرق للشاعر عبد الرحمن الآنسي ، والشاعر يرى في قصيدته ما لايتوقعه الشاعر نفسه يقول الشاعر في قصيدة بعنوان بنت الخاطر :
وهبنا سمعنا أو أطعنا قصيدة لها وجهها الثاني وفيها مراميها
وجاءت بعون الله من نصف قارئ قريب المدى فابتزها من دواعيها
وألقى عصا تجوالها في حباله كما شاء لا ما شاء للقوس باريها
عبر الشاعر عن نصف القارئ بالقارئ الذي لا يرى في القصيدة إلا ظاهرها ولا يتبحر في القراءة ، فالقراءة النقدية للنص تعتبر قابلة للتنوع فكل قارئ يرى رؤيته الخاصة في القصيدة ، حتى أن المتنبي يقول عن ابن جني : ابن جني أعلم بشعري مني ، نصف القارئ يرى بعض الأشياء في القصيدة وأما القارئ الكامل فهذا ما يرى كل شيء في القصيدة وهذا منعدم منطقيا ، فعظمة القصيدة في كونها عصية على القراءة الكاملة .
الشاعر يمتلك لغة محلقة جزلة المفردات ، وكان للصور الاستعارية المبتكرة التي تملك لب القارئ من أمثال : صوت المرايا ، الرف التعيس ، فم السحابة ، الزمن المشاكس … إلخ
وأمثال هذه الصور ما يدل على مدى ما يمتلكه الشاعر من رؤية وتبحر في اللغة يغري القارئ بالقراءة .
جاء المجلد في 315 صفحة من القطع الكبير .

قد يعجبك ايضا