محطات من أروقة الخيال

 

زيد الفقيه
حين يقف القارئ على كتاب ” رحلة في أروقة الخيال ” للأستاذ القدير عبدالوهاب سنين إنما يقف على علمٍ كثيرٍ وثقافةٍ تنداحُ على مشارب المعرفة المختلفة ، ولن أعرِّجَ في تناولي هذا للكتاب على العتبات الأساس المتمثلة بالمقدمات : مقدمة المؤلف ومقدمة الأستاذ عبدالباري طاهر ، ومقدمة أستاذي الأجل الدكتور عبدالعزيز المقالح ، ، ولكن سأبدأ بأول رحلة للمؤلف إلى بغداد وهو بصحبة إمام الأدباء الجاحظ ، لأبيِّن للقارئ الكريم جمال أسلوب المؤلف وحسن مُدْخَلهُ إلى هذه الرحلات ، فقد عرَّف بنفسه وببلده في أول رحلة حتى يبصِّر القارئ لهذه الرحلات بالخلفية الحضارية التي قَدِم المؤلف منها ، ثم عرَّف بمن سيحاوره في هذه الرحلة ، إذ يقول :
ـ أخبرني من أنت ومن أي البلاد تنسب؟
ـ قلت : اسمي عبدالوهاب ، أما بلادي فهي قلادة من خمسة أحرف أضعها على عنقي كما ترى ، إنها أمي اليمن .
ـ قال: مرحباً بك يا فتى ، أما شيخنا هو إمام البلغاء وشيخ الأدباء عمرو بن بحر الجاحظ.
بهذا الأسلوب الجميل والشيِّق قدم المؤلف نفسه لقارئه وعرَّف بمن استحضره خياله في أول رحلة من رحلات هذا الكتاب ، كما تناول مسألة الخلاف حول كتاب (التاج) لم يتعصب الكاتب ويجزم بنسبة الكتاب للجاحظ ، لكنه فتح باباً للبحث والتحري والتَحقق من صحة نسب الكتاب ، وهذا ما يفعله البحَّاثة المجيدين للعِلمانية في عصرنا الحاضر .
يقدم لك المؤلف في هذا الكتاب وجبةً فكرية متكاملة إذ يجمع بين علومٍ عدّة في كتاب واحد ، لكنه غير مصنوع ككتاب (عنوان الشرف الوافي ) للمقري ، وكتاب (برهان البرهان) للبجلي ، وكتاب ( الإعلان ) للسانة ، بل كتاباً أدبياً على غرار كتاب (هجر العلم ومعاقله في اليمن ) للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع .
يقدم الأستاذ / عبدالوهاب سنين في مؤلفه الذي بين أيدينا (رحلة في أروقة الخيال ) ستة علومٍ هي :
ـ أدب الرحلات ، والتاريخ ، والتراجم ، والشعر ، والجغرافيا ، فن القصِّ، والفارق بين هجر العلم ورحلات سنين ، أن هجر العلم يأخذ المنحى التاريخي ، ورحلة في أروقة الخيال يأخذ المنحى السردي .
بمَ التعللُ لا أهلٌ ولا وطن * ولا نديمٌ ولا كأس ولا سكنُ
هذا البيت هو الذي استعطف المؤلف به شاعر العرب أبي الطيب المتنبي بعد أن صدَّه عن مرافقته ، لكني لستُ مندهشاً من البيت بل من الأسلوب والسياق الذي وظف فيه المؤلف بيت المتنبي الذي نقرأه دائماً ولم يترك فينا هذا الإحساس الذي استطاع عبدالوهاب أن يغرسه في نفوسنا ، هنا تتجلى عظمة الكاتب وتتباين أساليب الأدباء والكتاب .
في الرحلة الثالثة الخاصة بأبي العلاء المعري أقف عليها بفائدتين مهمتين للقارئ الكريم ، من فوائدها الكثيرة ؛ الأولى هي الفرق في كلمة البُنا بالضم التي تدل على المَكَارِم ، والبِناء بالكسر الذي يدل على البِنْيان باللبن والطين ، ذلك عند رواية بيت الحُطيئة :
أولئك قومٌ إن بَنوا أحسنوا البُنا * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدَّوا
أما الفائدة الثانية هي في معرفة استقاء كتاب ” الكوميديا الإلهية ” لدانتي من الأصلين العربيين “رسالة الغفران” ورسالة المعراج” ، هذه الفؤائد المعرفية المتناثرة بين دفتي كتاب الأستاذ عبدالوهاب سنين تنم عن ثقافة موسوعية هضمت التراث بأصالته والمعاصرة بحداثتها .
في الرحلة الرابعة مع الشريف الرضي يقدم المؤلف موقفاً إنسانياً يتمثل بموقف الشريف المرتضى حين اشترى نسخة فاخرة من “جمهرة ابن دريد ” الذي كان يملكها أبو الحسن الفالي ، وباعها بسبب الفقر والحاجة ، وكان مغبوناً عليها ، وقد عرف ذلك المرتضى من خلال الأبيات التي أودعها الفالي هذه النسخة ، فما كان من المشتري إلا أن أعادها لصاحبها مع قيمتها . وقد لفت نظري ما كتبه المؤلف حين قال : ” هذه هي قصة النسخة ، بين أديب كاد أن يفقد أحد كرائمه ، وبين أديب كريم تملكه الحزن على صاحبها ، فأعادها إليه ، وترك دنانيره لصاحب النسخة”.
في الرحلة الخامسة إلى الأندلس يضع المؤلف بين يدي القارئ معارفَ متعددة منها الأدب ، والتاريخ ، والسياحة ، والتراجم ، لكن ما استوقفني في هذه الرحلة هو الجانب الإنساني الذي تنبض به الرحلة من حالة ابن زيدون إلى منفى أحمد شوقي ، إلى توجِّع المقالح عن وطنه هذه اللفتات الإنسانية قلَّما تجدها عند كثير من الكتاب ، ولعل قصيدة شيخ أدباء اليمن ـ كما وصفه المؤلف في الرحلة ـ أصدق تعبير عن حزن شاعرٍ لوضع وطنه ، ومنها قوله :
أبكي
فتضحك من بكائي
دور العبادة والملاهي
أمدُّ كفي للسماء
تقول : رفقاً يا إلهي
الخلق ـ كل الخلقِ ـ
من بشرٍ ، ومن طيرٍ
ومن شجرٍ
تكاثر حزُنهم
واليأسُ يأخذهم ـ صباح مساء ـ
من آهٍ ….لآهٍ .
وثمّة جانبٌ وطني مهم تطفح به مشاعر المؤلف وهو التعريف باليمن من خلال تقديم نفسه لمن التقاهم في رحلات خياله ، أو في تقديم الشاعر الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح لشاعر الأندلس ابن زيدون الذي رحل عن عالمنا قبل قرون مضت ، بل هو تقديم اليمن للآخر في أبها صورة وأجمل ذكر بعيداً عن صورة القبح التي يرسمها المتحاربون اليوم .
أما في رحلته السادسة ـ وإن لم يسمها بالسادسة ـ ووسمها برحلته إلى القرن العشرين فقد شرَّق فيها وغرَّب وتناول أهم القضايا التي لم تُثرْ من قبل ـ على حد علمي ـ ومنها : عرضاً لتحامل المستشرق (فرنسسكو سيميونيت) في كتابه (المستعربون ) وقد ظهر بغض ذلك الرجل للعرب وحضارتهم من خلال كتابه الذي سفَّهَ فيه دور العرب الحضاري بإطروحاته المجانبة للصواب ، وجعل من كتابه ذاك نافذة لقذف سمومه ، لكن الأستاذ عبدالوهاب في رواقه ومن خلال قلمه الرشيق دحض كل تلك الافتراءات من خلال الرد على ذلك المستشرق الغاشم بالحجج والبراهين القوية التي أوردها بالاستشهاد في الواقع ، ومن خلال أراء مستشرقين منصفين كتبوا عن الحضارة العربية بإنصاف ومنهم : العلامة الفرنسي الدكتور (غستاف لوبون ) الذي قال عن العرب :” وقد استطاع العرب أن يحوِّلوا اسبانية ماديا وثقافياً في بضعة قرون ، وأن يجعلوها على رأس الممالك الأوروبية ، … وكان لهم الأثر البالغ في أخلاق الناس فهم الذين علَّموا النصارى ، … كيف يكون التسامح الذي هو أثمن ما تصبوا إليه الإنسانية ” وكذا استشهد المؤلف بآراء الكاتب الانجليزي ( روم لاندو) الذي قال : “وكان الأسبان قد نعموا ـ في ظل الحكم الإسلامي ـ بمعاملة متسامحة تحررية ، ولكنهم لم يكونوا في وضع نفسي يساعدهم على تبني السياسة المتمدنية نفسها … فإذا بهم يحرقون الكتب العربية ويتلفون معظم الآثار التي كانت عنوان تفوق الثقافة الإسلامية ” وكذلك رأي المستشرق الإسباني (انخل جنثالث )الذي قال :” وكان للأدب العربي الأندلسي في النصارى نفس الأثر الذي كان لليهود ، إذ كان أولئك النصارى جيراناً للمسلمين الأندلسيين ربطتهم بهم الأسباب المتصلة زماناً بعد زمان ولم تقتصر علاقتهما على الحرب ، بل قامت بينهما صلات سلمية أيضاً”.
ولو لم يكن من فضل للعرب على الغرب إلا ترك 80 ألف كتابٍ التي قام بإحراقها رئيس الأساقفة الأسبان (أكزيمينيس) من أجل محو ذكرهم من صفحات التاريخ لكفاهم فخراً ، بل إن من يطَّلع على كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب ) للألمانية (زغريد هنكه) سيعرف كيف أثر العرب على حياة أوروبا ، وما كان للحضارة العربية من فضل على أوروبا في القرون الوسطى .
وفي هذه الرحلة أيضاً يعرِّجُ الكاتبُ على مصر وتحديداً على منزل أديب العربية محمود محمد شاكر ليطلع القارئ عن قضية سطو أدبية من خلال محاضرات الدكتور طه حسين وآرائه عن الشعر الجاهلي ، التي بترها طه حسين من مرجليوث وهو مستشرق انجليزي وقف عليه محمود شاكر واكتشف أن المحاضر في الجامعة طه حسين ينقلها لطلبته نصاً دون أن يشير لكاتبها الأصلي ، وهذه القضية هي التي كانت قد أفقدت شاكراً الثقة بالجامعة مما دفعه إلى تركها ، ولم ينسَ الكاتب أن يعرِّجَ على السرد في اليمن فقد تحدث عن عددٍ من كتاب الرواية والقصة ومنهم : الغربي عمران ، ونادية الكوكباني ، وسهير السمان ، وسيرين حسن .
في رحلته الأخيرة إلى القاهرة وتحديداً إلى مبنى مجلة الرسالة وصاحبها الأستاذ أحمد حسن الزيات يلفت انتباه القارئ في بداية الرحلة حديث الأستاذ محمود شاكر عن طه حسين ووصفه بأنه سراج لهذه الأمة على الرغم أنه كان سبب ترك شاكر للجامعة ، وهذا إن دلَّ على شي إنما يدل على الإنصاف وقول الحق وإعطاء كل ذي حق حقه ، هذه المكارم والنبل والأخلاق الفاضلة نفتقدها في زمننا هذا ، وبخاصة في الوسط السياسي ومَّمن تغوَّرت نفوسهم بالسياسة ، إلا من رحم ربي .
كما لفت نظري تشجيع الأستاذ الزيات للأدباء في عبارته التي أختارها لنا الأستاذ عبدالوهاب سنين من مقالته عن الأدب والأدباء ، وهي قوله : ” شجعوهم ـ أي الأدباء ـ على إجادة الانتاج بالجوائز ، ولا تكلوهم إلى هوى النفوس وجهل العامة فينطفئون انطفاء السراج في عين الأعمى ، ويموتون ميتة البلبل في أذن الأصم”.
لقد أراد المؤلف ـ من خلال مقارنته بين فلسفتي نتشه التي تدعو إلى العنف ، وفلسفة تولستوي النقيضة لها أن يرفع من شأن القيم والمبادئ الأخلاقية الفاضلة ، ومن المهم هنا أن نشير إلى مذهب أحمد حسن الزيات في الحياة وهو الوسطية والاستقامة والوضوح ولإيثار ، والابتعاد عن مايلهث الناس لأجله ، وهذا هو نفس مذهب المؤلف عبدالوهاب ، إنما أراد أن يوصله إلينا عن طريق هذا الاستعمال الأدبي .
أما الأديبة والكاتبة (مي زيادة) فقد أخذت حيِّزاً منداحاً في أروقة المؤلف، إذ قدَّمها للقارئ بما يليق بشأوها في الأدب العربي معرجاً على مأساتها في العصفورية وظلم ابن عمها (جوزيف ) الذي ابتغا الاستيلاء على ميراثها ، ولم ينسَ أن يشير إلى تخلي الأهل ولأحباب عنها في محنتها باستثناء الأستاذ الزيات رحمة الله عليهما ، فيما أفرد مساحة تحدث فيها عن موقف الروائي العربي واسيني الأعرج وزميلته (روز) وجهدهما في الحصول على مخطوط كتابها “ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية “.
وخلاصة القول : لقد صدق القدماء حين قالوا إن اختيار المرء جزء من عقله ، فقد اختار لنا المؤلف هذه الكنوز والجواهر من بطون كتبٍ عدة متفرقة ليقدمها لنا في هذا الكتاب المتعدد المعارف الذي تزيَّن به عقل مؤلفه .

قد يعجبك ايضا